فخر الدين الرازي
157
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وقرئ فقدر على التخفيف وبالتشديد أي قتر ، وأكرمن وأهانن بسكون النون في الوقف فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 17 إلى 20 ] كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك . الشبهة قال : كَلَّا وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة ، قال ابن عباس : المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة ، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة ، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل ، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال : بل لهم فعل هو شر من هذا القول ، وهو أن اللّه تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ، فقال : بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : يكرمون وما بعده بالياء المنقوطة من تحت ، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان ، وكان يراد به الجنس والكثرة ، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه ، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك . المسألة الثانية : قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقه . واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها : ترك بره ، وإليه الإشارة بقوله : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ والثاني : دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا والثالث : أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم ، أما قوله : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ قال مقاتل : ولا تطعمون مسكينا ، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الحاقة : 33 ، 34 ] ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون ، والمعنى : لا يحض بعضكم بعضا وفي قراءة ابن مسعود : وَلا تَحَاضُّونَ بضم التاء من المحاضة . أما قوله : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ففيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : أصل التراث وراث ، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت . المسألة الثانية : قال الليث : اللم الجمع الشديد ، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم ، والآكل يلم الثريد فيجعله لقما ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع ، فمعنى اللم في اللغة الجمع ، وأما التفسير ففيه وجوه أحدها : قال الواحدي والمفسرون : يقولون في قوله : أَكْلًا لَمًّا أي شديدا وهو حل معنى