فخر الدين الرازي
148
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الفجر ثلاثون آية مكية [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم اللّه تعالى بها لا بد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد ، أو فائدة دنيوية توجب بعثا على الشكر ، أو مجموعهما ، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافا شديدا ، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين ، وأكثر منفعة في الدنيا . أما قوله : وَالْفَجْرِ فذكروا فيه وجوها أحدها : ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف ، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، أقسم اللّه تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء ، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم ، وفيه عبرة لمن تأمل ، وهذا كقوله : وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ [ المدثر : 34 ] وقال في موضع آخر ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [ التكوير : 18 ] وتمدح في آية أخرى بكونه خالقا له ، فقال : فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : 96 ] ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع ، نظيره : وَالضُّحى [ الضحى : 1 ] وقوله : وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [ الليل : 2 ] وثانيها : أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح وثالثها : أنه فجر يوم معين ، وعلى هذا القول ذكروا وجوها الأول : أنه فجر يوم النحر ، وذلك لأن أمر المناسك من خصائص ملة إبراهيم ، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتي الإنسان فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه ، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القربان ، / كما قال تعالى : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [ الصافات : 107 ] الثاني : أراد فجر ذي الحجة