فخر الدين الرازي
146
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وللشهوة فيها نصيب معا ، ومنها ما يكون للحكمة فيها نصيب ، وليس للشهوة فيها نصيب . والقسم الأول : كالإنسان الحسن الوجه ، والبساتين النزهة ، والذهب والفضة وغيرها ، فهذه الأشياء يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم ، إلا أنها متعلق الشهوة ومطلوبة للنفس ، فلم يأمر تعالى بالنظر فيها ، لأنه لم يؤمن عند النظر إليها وفيها أن تصير داعية الشهوة غالبة على داعية الحكمة فيصير ذلك مانعا عن إتمام النظر والفكر وسببا لاستغراق النفس في محبته . أما القسم الثاني : فهو كالحيوانات التي لا يكون في صورتها حسن ، ولكن يكون داعية تركيبها حكم باللغة وهي مثل الإبل وغيرها ، إلا أن ذكر الإبل هاهنا أولى لأن إلف العرب بها أكثر وكذا السماء والجبال والأرض ، فإن دلائل الحدوث والحاجة فيها ظاهرة ، وليس فيها ما يكون نصيبا للشهوة ، فلما كان هذا القسم بحيث يكمل نصيب الحكمة فيه مع الأمن من زحمة الشهوة لا جرم أمر اللّه بالتدبر فيها فهذا ما يحضرنا في هذا الموضع وباللّه التوفيق . [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 21 ] فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد ، قال لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك ، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه ، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال : إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 22 ] لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) قال صاحب « الكشاف » : بِمُصَيْطِرٍ بمسلط ، كقوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ ق : 45 ] وقوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون مسلطا عليهم حتى تقتلهم ، أو تكرههم على الإيمان فلا ، قالوا : ثم نسختها آية القتال ، هذا قول جميع المفسرين ، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله : أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [ الطور : 37 ] . أما قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 23 إلى 24 ] إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) ففيه مسائل . المسألة الأولى : في الآية قولان : أحدهما : أنه استثناء حقيقي ، وعلى هذا التقدير هذا الاستثناء ، استثناء عما ذا ؟ فيه احتمالان الأول : أن يقال التقدير : فذكر إلا من تولى وكفر والثاني : أنه استثناء عن الضمير في عَلَيْهِمْ [ الغاشية : 22 ] والتقدير : لست عليهم بمسيطر إلا من تولى . واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأمورا بالقتال وجوابه : لعل المراد أنك لا تصبر مسلطا إلا على من تولى القول الثاني : أنه استثناء منقطع عما قبله ، كما تقول في الكلام : قعدنا نتذكر العلم ، إلا أن كثيرا من الناس لا يرغب ، فكذا هاهنا التقدير لست