فخر الدين الرازي

141

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الثاني : كيف يوجد النبت في النار ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ليس المراد أن الضريع نبت في النار يأكلونه ، ولكنه ضرب مثله ، أي إنهم يقتاتون بما لا يشبعهم أو يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع الثاني : لم لا يجوز أن يقال : إن النبت يوجد في النار ؟ فإنه لما لم يستبعد بقاء بدن الإنسان مع كونه لحما ودما في النار أبد الآباد ، فكذا هاهنا وكذا القول في سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها . أما قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 7 ] لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) فهو مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع ، وأما المعنى ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن طعامهم ليس من جنس مطاعم الإنس ، وذلك لأن هذا نوع من أنواع الشوك والشوك مما يرعاه الإبل ، وهذا النوع مما ينفر عنه الإبل ، فإذن منفعتا الغذاء منتفيتان عنه ، وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن وثانيها : أن يكون المعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس لأن الطعام ما أشبع وأسمن وهو منهما بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفي الظل على التوكيد وثالثها : روي أن كفار قريش قالت : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا ، فنزلت : لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ فلا يخلو إما أن يتعنتوا بذلك الكلام كذبا فيرد قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع ، قال القاضي : يجب في كل طعامهم أن لا يغني من جوع لأن ذلك نفع ورأفة ، وذلك غير جائز في العقاب . [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 8 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) اعلم أنه سبحانه لما ذكر وعيد الكفار ، أتبعه بشرح أحوال المؤمنين ، فذكر وصف أهل الثواب أولا ، ثم وصف دار الثواب ثانيا أما وصف أهل الثواب فبأمرين أحدهما : في ظاهرهم ، وهو قوله : ناعِمَةٌ أي ذات بهجة وحسن ، كقوله : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [ المطففين : 24 ] أو متنعمة . / والثاني : في باطنهم وهو قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 9 ] لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) وفيه تأويلان أحدهما : أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل للّه . لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل ، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول ، ما أحسن ما عملت ، ولقد وفقت للصواب فيما صنعت فيثنى على عمل نفسه ويرضاه والثاني : المراد لثواب سعيها في الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب ، وهذا أولى إذ المراد أن الذي يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه ، وأما وصف دار الثواب ، فاعلم أن اللّه تعالى وصفها بأمور سبعة : أحدها قوله : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 10 ] فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 )