فخر الدين الرازي
127
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اجعلوها في ركوعكم » ولما نزل قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال : « اجعلوها في سجودكم » ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول : في ركوعه : « سبحان ربي العظيم » وفي سجوده : « سبحان ربي الأعلى » ثم من العلماء من قال : إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أي صل باسم ربك ، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : 17 ] ورد في بيان أوقات الصلاة . المسألة الرابعة : قرأ علي عليه السلام وابن عمر : ( سبحان الأعلى * الذي خلق فسوى ) ولعل الوجه فيه أن قوله : سَبِّحِ أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله : سبحان ربي الأعلى . المسألة الخامسة : تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله : رَبِّكَ الْأَعْلَى والحق أن العلو بالجهة على اللّه تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن يكون متناهيا أو غير متناه ، فإن كان متناهيا كان طرفه الفوقاني متناهيا ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضا فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى اللّه عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهيا من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايرا للجانب غير المتناهي فيكون مركبا من جزأين ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال . فثبت أن العلو هاهنا ليس بمعنى العلو في الجهة ، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما ما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ؛ والسورة هاهنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله : الْأَعْلَى بقوله : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة . المسألة السادسة : من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ * وأما الأعلى منه فقوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه . واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم نقول ليس في / هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات . الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون ، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا ، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا . الثاني : أن قوله : الْأَعْلَى تنبيه على استحقاق اللّه التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه : الأعلى أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل .