فخر الدين الرازي

119

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأما البحث الثاني : وهو أنه ما الذي يحفظه هذا الحافظ ؟ ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وثانيها : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ يحفظ عملها ورزقها وأجلها ، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه ، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله : فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [ مريم : 84 ] ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه وثالثها : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا يصيبها إلا ما قدر اللّه عليها ورابعها : قال الفراء : إن كل نفس لما عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر ، وهذا قول الكلبي . واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظا يراقبها ويعد عليها أعمالها ، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسعى في تحصيل أهم المهمات ، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد ، فلهذا السبب بدأ اللّه تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ . فقال : [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 6 إلى 7 ] خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الدفق صب الماء ، يقال : دفقت الماء ، أي صببته وهو مدفوق ، أي مصبوب ، ومندفق أي منصب ، ولما كان هذا الماء مدفوقا اختلفوا في أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه الأول : قال الزجاج : معناه ذو اندفاق ، كما يقال : دراع وفارس ونابل ولابن وتأمر ، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر ، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه الثاني : أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل . قال الفراء : وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم ، يجعلون المفعول فاعلا إذا كان في مذهب النعت ، كقوله سر كاتم ، وهم ناصب ، وليل نائم ، وكقوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ القارعة : 7 ] ي مرضية الثالث : ذكر الخليل في الكتاب المنسوب إليه دفق الماء دفقا ودفوقا إذا انصب بمرة ، واندفق الكوز إذا انصب بمرة ، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه : دافق خير ، وفي كتاب قطرب : دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع : صاحب الماء لما كان دافقا أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز . المسألة الثانية : قرئ الصلب بفتحتين ، والصلب بضمتين ، وفيه أربع لغات : صلب وصلب وصلب وصالب . المسألة الثالثة : ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة ، وكل عظم من ذلك تربة ، وهذا قول جميع أهل اللغة . قال امرؤ القيس : ترائبها مصقولة كالسجنجل