فخر الدين الرازي

113

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل . المسألة الثانية : أصل الفتنة الابتلاء والامتحان ، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم ، وقال بعض المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل : فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ حرقوهم بالنار ، قال الزجاج : يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن أحجار سود كأنها محترقة ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] . المسألة الثالثة : قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن اللّه تعالى يقبل التوبة ، ويدل على أن توبة القاتل عمدا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس . المسألة الرابعة : في قوله : فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ قولان : الأول : أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة ، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين ، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضا إحراق ، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقا بالنسبة إلى الثاني ، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جدا فكان الأول ضعيفا ، فلا جرم لم يسم إحراقا . القول الثاني : أن قوله : فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ إشارة إلى عذاب الآخرة : وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها . [ سورة البروج ( 85 ) : آية 11 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما قال : ذلِكَ الْفَوْزُ ولم يقل تلك لدقيقة لطيفة وهي أن قوله : ذلِكَ إشارة إلى إخبار اللّه تعالى بحصول هذه الجنات ، وقوله : تلك إشارة إلى الجنات وإخبار اللّه تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيا والفوز الكبير هو رضا اللّه لا حصول الجنة . المسألة الثانية : قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن المكره على / الكفر بالإهلاك العظيم الأولى له أن يصبر على ما خوف منه ، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لأحدهما : تشهد أني رسول اللّه فقال : نعم فتركه ، وقال للآخر مثله فقال : لا بل أنت كذاب فقتله فقال عليه السلام : « أما الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه ، وأما الذي قتل فأخذ بالفضل فهنيئا له » . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 12 إلى 16 ] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 )