فخر الدين الرازي

108

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ الأنعام : 19 ] وقوله : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] والمشهود هو التوحيد ، لقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] والنبوة : قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ * وثانيها : أن الشاهد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمشهود عليه سائر الأنبياء ، لقوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] ولقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً * [ الفتح : 8 ] وثالثها : أن يكون الشاهد هو الأنبياء ، والمشهود عليه هو الأمم ، لقوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، ورابعها : أن يكون الشاهد هو جميع الممكنات والمحدثات ، والمشهود عليه واجب الوجود ، وهذا احتمال ذكرته أنا وأخذته من قول الأصوليين هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وعلى هذا التقدير يكون القسم واقعا بالخلق والخالق ، والصنع والصانع وخامسها : أن يكون الشاهد هو الملك ، لقوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ والمشهود عليه هم المكلفون وسادسها : أن يكون الشاهد هو الملك ، والمشهود عليه هو الإنسان الذي تشهد عليه جوارحه يوم القيامة ، قال : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [ النور : 24 ] وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصلت : 21 ] وهذا قول عطاء الخراساني . وأما الوجه الثالث : وهو أقوال مبنية على الروايات لا على الاشتقاق فأحدها : أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، روى أبو موسى الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام قال : « اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، ويوم الجمعة ذخيرة اللّه لنا » و عن أبي هريرة مرفوعا قال : « المشهود يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة ، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو اللّه بخير إلا استجاب له ، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه منه » و عن سعيد بن المسيب مرسلا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد ، والمشهود يوم عرفة » وهذا قول كثير من أهل العلم كعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأبي هريرة وابن المسيب والحسن البصري والربيع بن أنس ، قال قتادة : شاهد ومشهود ، يومان عظمهما اللّه من أيام الدنيا ، كما يحدث أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وثانيها : أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر / وذلك لأنهما يومان عظمهما اللّه وجعلهما من أيام أركان أيام الحج ، فهذان اليومان يشهدان لمن يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة ، وروى أنه عليه السلام ذبح كبشين ، وقال في أحدهما : « هذا عمن يشهد لي بالبلاغ » فيحتمل لهذا المعنى أن يكون يوم النحر شاهدا لمن حضره بمثل ذلك لهذا الخبر وثالثها : أن الشاهد هو عيسى لقوله تعالى حكاية عنه : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [ المائدة : 117 ] ، ورابعها : الشاهد هو اللّه والمشهود هو يوم القيامة ، قال تعالى : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] وقوله : ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [ المجادلة : 7 ] ، وخامسها : أن الشاهد هو الإنسان ، والمشهود هو التوحيد لقوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] وسادسها : أن الشاهد الإنسان والمشهود هو يوم القيامة ، أما كون الإنسان شاهدا فلقوله تعالى : قالُوا بَلى شَهِدْنا [ الأعراف : 172 ] وأما كون يوم القيامة مشهودا فلقوله : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [ الأعراف : 172 ] فهذه هي الوجوه الملخصة ، واللّه أعلم بحقائق القرآن . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 4 إلى 7 ] قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ( 4 ) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 )