فخر الدين الرازي
104
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين ، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل ، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم ، وأن لا يكون تعالى خالقا للكفر فيهم . فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها البتة ، وجوابه قد مر غير مرة . أما قوله تعالى : [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 21 ] وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنهم أرباب الفصاحة والبلاغة فعند سماعهم القرآن لا بد وأن يعلموا كونه معجزا ، وإذا علموا صحة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ووجوب طاعته في الأوامر والنواهي ، فلا جرم استبعد اللّه منهم عند سماع القرآن ترك السجود والطاعة . المسألة الثانية : قال ابن عباس والحسن وعطاء والكلبي ومقاتل : المراد من السجود الصلاة وقال أبو مسلم : الخضوع والاستكانة ، وقال آخرون : بل المراد نفس السجود عند آيات مخصوصة ، وهذه الآية منها . المسألة الثالثة : روي أنه عليه السلام : « قرأ ذات يوم : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] فسجد هو ومن معه من المؤمنين ، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر » فنزلت هذه الآية واحتج أبو حنيفة على وجوب السجدة بهذا من وجهين الأول : أن فعله صلّى اللّه عليه وسلّم يقتضي الوجوب لقوله تعالى : وَاتَّبِعُوهُ والثاني : أن اللّه تعالى ذم من يسمعه فلا يسجد ، وحصول الذم عند الترك يدل على الوجوب . المسألة الرابعة : مذهب ابن عباس أنه ليس في المفصل سجدة ، وعن أبي هريرة أنه سجد هاهنا ، وقال : واللّه ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسجد فيها ، وعن أنس صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان ، فسجدوا وعن الحسن هي غير واجبة . [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 22 ] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ( 22 ) أما قوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يكذبوا فالمعنى أن الدلائل الموجبة للإيمان ، وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها إما لتقليد الأسلاف ، وإما للحسد وإما للخوف من أنهم لو أظهروا الإيمان لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها . أما قوله تعالى : [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 23 ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ( 23 ) فأصل الكلمة من الوعاء ، فيقال : أوعيت الشيء أي جعلته في وعاء كما قال : وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 18 ] واللّه أعلم بما يجمعون في صدورهم من الشرك والتكذيب فهو مجازيهم عليه في الدنيا والآخرة . ثم قال تعالى : [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 24 ] فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) استحقوه على تكذيبهم وكفرهم . أما قوله :