فخر الدين الرازي
623
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : في الباقية ثلاثة أوجه أحدها : إنها البقية وثانيها : المراد من نفس باقية وثالثها : المراد بالباقية البقاء ، كالطاغية بمعنى الطغيان . المسألة الثانية : ذهب قوم إلى أن المراد أنه لم يبق من نسل أولئك القوم أحد ، واستدل بهذه الآية على قوله قال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عقاب اللّه من الريح ، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا ، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر ، فذاك هو قوله : فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ وقوله : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف : 25 ] . القصة الثانية قصة فرعون [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 9 ] وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) أي ومن كان قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو ، و ( من ) لفظ عام ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين ، قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ، ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء ، قال سيبويه : قبل لما ولي الشيء تقول : ذهب قبل السوق ، ولى قبلك حق ، أي فيما يليك ، واتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك ، فمعنى مَنْ قَبْلَهُ أي من عنده من أتباعه وجنوده والذي يؤكد هذه القراءة ما روي أن ابن مسعود وأبيا وأبا موسى قرءوا : ومن تلقاءه روى عن أبي وحده أنه قرأ : ومن معه أما قوله : وَالْمُؤْتَفِكاتُ فقد تقدم تفسيرها ، وهم الذين أهلكوا من قوم لوط ، على معنى والجماعات المؤتفكات ، وقوله : بِالْخاطِئَةِ فيه وجهان الأول : أن الخاطئة مصدر كالخطإ والثاني : أن يكون المراد بالفعلة / أو الأفعال ذات الخطأ العظيم . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 10 ] فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ( 10 ) الضمير إن كان عائدا إلى فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ [ الحاقة : 9 ] ، فرسول ربهم هو موسى عليه السلام ، وإن كان عائدا إلى أهل المؤتفكات فرسول ربهم هو لوط ، قال الواحدي : والوجه أن يقال : المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما بقوله ، فَعَصَوْا فيكون كقوله : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 16 ] وقوله : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ثم فيه وجهان الأول : أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار الثاني : أن عقوبة آل فرعون في الدنيا كانت متصلة بعذاب الآخرة ، لقوله : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا ، فتلك العقوبة كأنها كانت تنمو وتربو . القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 11 ] إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 ) طغى الماء على خزانه فلم يدروا كم خرج وليس ينزل من السماء قطرة قبل تلك الواقعة ولا بعدها إلا بكيل معلوم ، وسائر المفسرين قالوا : طَغَى الْماءُ أي تجاوز حده حتى علا كل شيء وارتفع فوقه ، و حَمَلْناكُمْ أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ، ولا شك أن الذين خوطبوا بهذا هم أولاد الذين كانوا في