فخر الدين الرازي

621

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

القارعة هي التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال ، والسماء بالانشقاق والانفطار ، والأرض والجبال بالدك والنسف ، والنجوم بالطمس والانكدار ، وإنما قال : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ولم يقل : بها ، ليدل على أن معنى القرع حاصل في الحاقة ، فيكون ذلك زيادة على وصف شدتها . ولما ذكرها وفخمها أتبع ذلك بذكر من كذب بها ، وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيرا لأهل مكة ، وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 5 ] فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) اعلم أن في الطاغية أقوالا : الأول : أن الطاغية هي الواقعة المجاوزة للحد في الشدة والقوة ، قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 1 ] أي جاوز الحد ، وقال : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] فعلى هذا القول : الطاغية نعت محذوف ، واختلفوا في ذلك المحذوف ، فقال بعضهم : إنها الصيحة المجاوزة في القوة والشدة للصيحات ، قال تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [ القمر : 31 ] وقال بعضهم : إنها الرجفة ، وقال آخرون : إنها الصاعقة والقول الثاني : أن الطاغية هاهنا الطغيان ، فهي مصدر كالكاذبة والباقية والعاقبة والعافية ، أي أهلكوا بطغيانهم على اللّه إذ كذبوا رسله وكفروا به ، وهو منقول عن ابن عباس ، والمتأخرون طعنوا فيه من وجهين الأول : وهو الذي قاله الزجاج : أنه لما ذكر في الجملة الثانية نوع الشيء الذي وقع به العذاب ، وهو قوله تعالى : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ [ الحاقة : 6 ] وجب أن يكون الحال في الجملة الأولى كذلك حتى تكون المناسبة حاصلة والثاني : وهو الذي قاله القاضي : وهو أنه لو كان المراد ما قالوه ، لكان من حق الكلام أن يقال : أهلكوا لها ولأجلها والقول الثالث : بِالطَّاغِيَةِ أي بالفرقة التي طغت من جملة ثمود ، فتآمروا بعقر الناقة فعقروها ، أي أهلكوا بشؤم فرقتهم الطاغية ، ويجوز أن يكون المراد بالطاغية ذلك الرجل الواحد الذي أقدم على عقر الناقة وأهلك الجميع ، لأنهم رضوا بفعله وقيل له طاغية ، كما يقول : فلان راوية الشعر ، وداهية وعلامة ونسابة . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 6 ] وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) الصرصر الشديدة الصوت لها صرصرة وقيل : الباردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها ، وأما العاتية ففيها أقوال : الأول : قال الكلبي : عتت على خزنتها يومئذ ، فلم يحفظوا كم خرج منها ، ولم يخرج قبل ذلك ، ولا بعده منها شيء إلا بقدر معلوم ، قال عليه الصلاة والسلام : طغى الماء على خزانه يوم / نوح ، وعتت الريح على خزانها يوم عاد ، فلم يكن لها عليها سبيل ، فعلى هذا القول : هي عاتية على الخزان الثاني : قال عطاء عن ابن عباس : يريد الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببناء أو ( استناد إلى جبل ) « 1 » ، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم القول الثالث : أن هذا ليس من العتو الذي هو عصيان ، إنما هو بلوغ الشيء وانتهاؤه ومنه قولهم : عتا النبت ، أي بلغ منتهاه وجف ، قال تعالى : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ مريم : 8 ] فعاتيه أي بالغة منتهاها في القوة والشدة .

--> ( 1 ) في الكشاف للزمخشري ( لياذ بجبل ) 4 / 150 ط . دار الفكر .