فخر الدين الرازي
616
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصي . وفي ذلك إغراء بالمعاصي ، وأجاب الجبائي عنه ، فقال : سنستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون في الآخرة ، وأملي لهم في الدنيا توكيدا للحجة عليهم إن كيدي متين فأمهله وأزيح الأعذار عنه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة فهذا هو المراد من الكيد المتين ، ثم قال : والذي يدل على أن المراد ما ذكرنا أنه تعالى قال قبل هذه الآية : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ [ القلم : 44 ] ولا شك أن هذا التهديد إنما وقع بعقاب الآخرة ، فوجب أن يكون المراد من الاستدراج والكيد المذكورين عقيبه هو عذاب الآخرة ، أو العذاب الحاصل عند الموت ، واعلم أن أصحابنا قالوا الحرف الذي ذكرناه وهو : أن هذا الإمهال إذا كان متأديا إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضيا بذلك الطغيان ، واعلم أن قولهم : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ - إلى قوله - إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ مفسر في سورة الأعراف [ 182 ] . ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 46 ] أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) وهذه الآية مع ما بعدها مفسرة في سورة الطور ، [ 40 ] وأقول : إنه أعاد الكلام إلى ما تقدم من قوله : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [ القلم : 41 ] والمغرم الغرامة أي لم يطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان . / ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 47 ] أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) وفيه وجهان الأول : أن عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ثواب ما هم عليه من الكفر والشرك ، فلذلك أصروا عليه ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار الثاني : أن الأشياء الغائبة كأنها حضرت في عقولهم حتى إنهم يكتبون على اللّه أي يحكمون عليه بما شاءوا وأرادوا . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 48 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) [ في قوله تعالي فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ] ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وفيه وجهان الأول : فاصبر لحكم ربك في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم والثاني : فاصبر لحكم ربك في أن أوجب عليك التبليغ والوحي وأداء الرسالة ، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة . ثم قال تعالى : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : العامل في إِذْ معني قوله : كَصاحِبِ الْحُوتِ يريد لا تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه في ذلك الوقت كان مكظوما فكأنه قيل : لا تكن مكظوما . المسألة الثانية : صاحب الحوت يونس عليه السلام ، إذ نادى في بطن الحوت بقوله : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] ، وَهُوَ مَكْظُومٌ مملوء غيظا من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبلى ببلائه ثم قال تعالى :