فخر الدين الرازي
612
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وهو كقوله تعالى : أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ [ الصافات : 156 ] والأصل تدرسون أن لكم ما تتخيرون بفتح أن لأنه مدرس ، فلما / جاءت اللام كسرت ، وتخير الشيء واختاره ، أي أخذ خيره ونحوه تنخله وانتخله إذا أخذ منخوله . ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 39 ] أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ( 39 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : لفلان على يمين بكذا إذا ضمنته منه وخلقت له على الوقاء به يعني أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد . فإن قيل : إلى في قوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بم يتعلق ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أنها متعلقة بقوله : بالِغَةٌ أي هذه الأيمان في قوتها وكمالها بحيث تبلغ إلى يوم القيامة والثاني : أن يكون التقدير . أيمان ثابتة إلى يوم القيامة . ويكون معنى بالغة مؤكدة كما تقول جيدة بالغة ، وكل شيء متناه في الصحة والجودة فهو بالغ ، وأما قوله : إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ فهو جواب القسم لأن معنى : أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا أم أقسمنا لكم . المسألة الثانية : قرأ الحسن بالغة بالنصب وهو نصب على الحال من الضمير في الظرف . ثم قال للرسول عليه الصلاة والسلام : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 40 ] سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ( 40 ) والمعنى أيهم بذلك الحكم زعيم ، أي قائم به وبالاستدلال على صحته ، كما يقوم زعيم القوم بإصلاح أمورهم . ثم قال : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 41 ] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 41 ) وفي تفسيره وجهان الأول : المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء للّه فيعتقدون أن أولئك الشركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب والخلاص من العقاب ، وإنما أضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء للّه وهذا كقوله : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الروم : 40 ] ، الوجه الثاني : في المعنى أم لهم ناس يشاركونهم في هذا المذهب وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين ، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم ، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي في إثبات هذا المذهب ، ولا دليل نقلي وهو كتاب يدرسونه ، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول ، وذلك يدل على أنه باطل من كل الوجوه . واعلم أنه تعالى لما أبطل قولهم ، وأفسد مقالتهم شرح بعد ذلك عظمة يوم القيامة . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 42 إلى 43 ] يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) فقال : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وفيه مسائل :