فخر الدين الرازي
596
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 25 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو مسلم إنه تعالى قال : يقول بلفظ المستقبل فهذا يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل ، ويحتمل الماضي ، والتقدير : فكانوا يقولون هذا الوعد . المسألة الثانية : لعلهم كانوا يقولون ذلك على سبيل السخرية ، ولعلهم كانوا يقولونها إبهاما للضعفة أنه لما لم يتعجل فلا أصل له . المسألة الثالثة : الوعد المسؤول عنه ما هو ؟ فيه وجهان أحدهما : أنه القيامة والثاني : أنه مطلق العذاب ، وفائدة هذا الاختلاف تظهر بعد ذلك إن شاء اللّه . ثم أجاب اللّه عن هذا السؤال بقوله تعالى : [ سورة الملك ( 67 ) : آية 26 ] قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) والمراد أن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع ، فالعلم الأول حاصل عندي ، وهو كاف في الإنذار والتحذير ، أما العلم الثاني فليس إلا للّه ، ولا حاجة في كوني نذيرا مبينا إليه . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 27 ] فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ( 27 ) ثم إنه تعالى بين حالهم عند نزول ذلك الوعد فقال تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ الضمير للوعد ، والزلفة القرب والتقدير : فلما رأوه قربا ويحتمل أنه لما اشتد قربه ، جعل كأنه في نفس القرب . وقال الحسن : معاينة ، وهذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة . المسألة الثانية : قوله : سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن عباس : اسودت وعلتها الكآبة والقترة ، وقال الزجاج : تبين فيها السوء ، وأصل السوء القبح ، والسيئة ضد الحسنة ، يقال : ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح ، وسيئ يساء إذا قبح ، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا ، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى القتل . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً إخبار عن الماضي ، فمن حمل الوعد في قوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ الملك : 25 ] على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً يعني أنه لما أتاهم عذاب اللّه المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم : عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً معناه فمتى ما رأوه زلفة ، وذلك لأن قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه ، قال مقاتل : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً أي لما رأوا العذاب في الآخر قريبا . وأما قوله تعالى : وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ففيه مسائل :