فخر الدين الرازي

593

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بهذه التخويفات أكد ذلك التخويف بالمثال والبرهان أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم فقال : [ سورة الملك ( 67 ) : آية 18 ] وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 ) يعني عادا وثمود وكفار الأمم ، وفيه وجهان أحدهما : قال الواحدي : فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري وتغييري ، أليس وجدوا العذاب حقا والثاني : قال أبو مسلم : النكير عقاب المنكر ، ثم قال : وإنما سقط الياء من نذيري ، ومن نكيري حتى تكون مشابهة لرؤوس الآي المتقدمة عليها ، والمتأخرة عنها . وأما البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه تعالى قادرا على إيصال جميع أنواع العذاب إليهم ، وذلك البرهان من وجوه : [ سورة الملك ( 67 ) : آية 19 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) البرهان الأول : هو قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ . صافَّاتٍ أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قيل لم قال : وَيَقْبِضْنَ ولم يقل وقابضات ، قلنا : لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح . ثم قال تعالى : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك اللّه وحفظه ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة للّه ، قلنا : نعم ، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير . ثم إنه تعالى قال : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى . السؤال الثاني : أنه تعالى قال في النحل [ 79 ] : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ وقال هاهنا : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ فما الفرق ؟ قلنا : ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية ، وذكر هاهنا أنها صافات وقابضات ، فكان إلهامها إلى كيفية البسط ، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن . ثم قال تعالى : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ وفيه وجهان الوجه الأول : المراد من البصير ، كونه عالما بالأشياء الدقيقة ، كما يقال : فلا بصر في هذا الأمر ، أي حذق والوجه الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : إنه تعالى شيء ، واللّه بكل شيء بصير ، فيكون رائيا لنفسه ولجميع الموجودات ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئيا وأن كل / الموجودات كذلك ، فإن قيل : البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم ، يقال : فلان بصير بكذا إن كان عالما به ، قلنا : لا نسلم ، فإنه يقال : إن اللّه سميع بالمسموعات ، بصير بالمبصرات .