فخر الدين الرازي
588
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أن يكون المراد بالضلال الهلاك ، ويحتمل أن يكون سمي عقاب الضلال باسمه . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 10 ] وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) هذا هو الكلام الثاني مما حكاه اللّه تعالى عن الكفار جوابا للخزنة حين قالوا : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [ الملك : 8 ] والمعنى لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل من كان متأملا متفكرا لما كنا من أصحاب السعير ، وقيل : إنما جمع بين السمع والعقل ، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل ، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين ، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية . المسألة الثانية : احتج بهذه الآية من قال : الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال : إنه قدم السمع على العقل تنبيها على أنه لا بد أولا من إرشاد المرشد وهداية الهادي ، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب : أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه ، فلما كان السمع مقدما بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر . المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي ، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل اللّه وعيدهم . المسألة الرابعة : احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية ، وقالوا : دلت الآية على أن للسمع مدخلا في الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 11 ] فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ( 11 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار هذا القول قال : فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ قال مقاتل : يعني بتكذيبهم الرسول وهو قولهم : فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الملك : 9 ] وقوله : بِذَنْبِهِمْ فيه قولان : أحدهما : أن الذنب هاهنا في معنى الجمع ، لأن فيه معنى الفعل ، كما يقال : خرج عطاء الناس ، أي عطياتهم هذا قول الفراء والثاني : يجوز أن يراد بالواحد المضاف الشائع ، كقوله : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ [ النحل : 34 ] . ثم قال : فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ قال المفسرون : فبعدا لهم اعترفوا أو جحدوا ، فإن ذلك لا ينفعهم ، والسحق البعد ، وفيه لغتان : التخفيف والتثقيل ، كما تقول في العنق والطنب ، قال الزجاج : سحقا منصوب على المصدر ، والمعنى أسحقهم اللّه سحقا ، أي باعدهم اللّه من رحمته مباعدة ، وقال أبو علي الفارسي : كان القياس سحاقا ، فجاء المصدر على الحذف كقولهم : عمرك اللّه . / واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين فقال :