فخر الدين الرازي
579
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
حاصلا في حيز لكان ذلك الحيز موجودا ، ولو كان ذلك الحيز موجودا لكان شيئا ولكان مقدور اللّه لقوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وإذا كان تحقق ذلك الحيز بقدرة اللّه وبإيجاده ، فيلزم أن يكون اللّه متقدما في الوجود على تحقق ذلك الحيز ، ومتى كان كذلك كان وجود اللّه في الأزل محققا من غير حيز وله جهة أصلا والأزلي لا يزول البتة ، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز والمكان أزلا وأبدا . المسألة التاسعة : أنه تعالى قال أولا : بِيَدِهِ الْمُلْكُ ثم قال بعده : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على كل شيء قدير ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد ولا يقع مراد اللّه ، لكان ذلك مشعرا بالعجز والضعف ، وبأن لا يكون مالك الملك على الإطلاق ، فدل ذلك ، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادرا على جميع الأشياء . المسألة العاشرة : القدير مبالغة في القادر ، فلما كان قديرا على كل الأشياء وجب أن لا يمنعه البتة مانع عن إيجاد شيء من مقدوراته ، وهذا يقتضي أن لا يجب لأحد عليه شيء وإلا لكان ذلك الوجوب مانعا له من الترك وأن لا يقبح منه شيء وإلا لكان ذلك القبح مانعا له من الفعل ، فلا يكون كاملا في القدرة ، فلا يكون قديرا واللّه أعلم . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 2 ] الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( 2 ) قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ فيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت ، فقال قوم : إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا : إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والعدم لا يكون مخلوقا هذا هو التحقيق ، وروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن اللّه تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة / في صورة فارس يلقاه فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء ولا يجد ريحتها شيء إلا حيي . واعلم أن هذا لا بد وأن يكون مقولا على سبيل التمثيل والتصوير ، وإلا فالتحقيق هو الذي ذكرناه . المسألة الثانية : إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت لوجوه : أحدها : قال مقاتل : يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح وثانيها : روى عطاء عن ابن عباس قال : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان وثالثها : أنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن مناديا ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة ، فيعلمون أنه من قبل اللّه عز وجل فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا : نعم ، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزن » واعلم أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشا بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت ، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية ، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم اللّه ذكر الموت على ذكر الحياة