فخر الدين الرازي
577
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الملك وهي ثلاثون آية مكية سورة الملك وتسمى المنجية : لأنها تنجي قارئها من عذاب القبر ، وعن ابن عباس أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن قارئها في القبر ، وهي ثلاثون آية مكية . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) أما قوله : تَبارَكَ فقد فسرناه في أول سورة الفرقان ، وأما قوله : بِيَدِهِ الْمُلْكُ فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ومالكا ، كما يقال : بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة في ذلك . قال صاحب « الكشاف » : بِيَدِهِ الْمُلْكُ على كل موجود ، وَهُوَ عَلى كُلِّ ما لم يوجد من الممكنات قَدِيرٌ ، وقوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء ، فقال قوله : هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقتضي كون مقدوره شيئا ، فذلك الشيء الذي هو مقدور اللّه تعالى ، إما أن يكون موجودا أو معدوما ، لا جائز أن يكون موجودا ، لأنه لو كان قادرا على الموجود ، لكان إما أن يكون قادرا على إيجاده وهو محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإما أن يكون قادرا على إعدامه وهو محال ، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل ، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير ، والعدم نفي محض ، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة ، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور اللّه ليس بموجود ، فوجب أن يكون معدوما ، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئا ، واحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئا بهذه الآية فقالوا : لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء والسواد من حيث هو سواد شيء ، واللّه قادر على كل شيء . فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادرا على الجوهر من حيث إنه جوهر ، وعلى السواد من حيث هو سواد ، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهرا ، والسواد سوادا واقعا بالفاعل ، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدما على فعله ، فإذا وجود اللّه وذاته متقدم على كون الجوهر جوهرا ، أو السواد سوادا ، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئا وهو المطلوب ، ثم أجابوا عن شبهة / الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل ، ولئن سلمنا ذلك ، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئا ، لأجل أنه سيصير شيئا ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه يجب المصير إليه ، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشيء . المسألة الثانية : زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل ، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة ، ومحمود الخوارزمي ، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام