فخر الدين الرازي

537

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الجزء الثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة الجمعة وهي إحدى عشرة آية مدنية [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة : سَبَّحَ لِلَّهِ [ الصف : 1 ] بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقل ، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل ، وأما تعلق الأول بالآخر ، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار ، وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق ، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدسا ومنزها عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق ، ثم إذا كان خلق السماوات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة اللَّه تعالى فله الملك ، كما قال تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ [ التغابن : 1 ] ولا ملك أعظم من هذا ، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه ، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل في سائر الأزمان ، كما مر في أول تلك السورة ، ولما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق ، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك ، والمالك والملك أشرف من المملوك ، فيكون متصفا بصفات يحصل منها الشرف ، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوسا ، فلفظ الْمَلِكِ إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية ، ولفظ الْقُدُّوسِ هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها ، وعن الغزالي الْقُدُّوسِ المنزه عما يخطر ببال أوليائه ، وقد مر تفسيره وكذلك الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح ، أي هو الملك القدوس ، ولو قرئت بالنصب لكان وجها ، كقول العرب : الحمد للَّه أهل الحمد ، كذا ذكره في « الكشاف » ، ثم في الآية مباحث : الأول : قال تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ولم يقل : يسبح اللَّه ، فما الفائدة ؟ نقول : هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان : كشكره وشكر له ، ونصحه ونصح له . الثاني : الْقُدُّوسِ من الصفات السلبية ، وقيل : معناه المبارك . الثالث : لفظ الْحَكِيمِ يطلق على الغير أيضا ، كما قيل في لقمان : إنه حكيم ، نقول : الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء [ في ] مواضعها ، واللَّه تعالى حكيم بهذا المعنى . ثم إنه تعالى بعد ما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال :