فخر الدين الرازي
764
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة المرسلات وهي خمسون آية مكية [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 1 إلى 6 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ( 1 ) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ( 2 ) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ( 3 ) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ( 4 ) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ( 5 ) عُذْراً أَوْ نُذْراً ( 6 ) [ في قوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً إلى قوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة أما الاحتمال الأول : فذكروا فيه وجوها الأول : أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم اللّه إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله : عُرْفاً فيه وجوه : أحدها : متتابعة كشعر العرف يقال : جاءوا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني : أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة ، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب ، وإن لم يكن معروفا للكفار ، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم اللّه لهم منهم . والثالث : أن يكون مصدرا كأنه قيل : والمرسلات أرسالا أي متتابعة وانتصاب عرفا على الوجه الأول على الحال ، وعلى الثاني لكونه مفعولا أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله : فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً فيه وجهان الأول : يعني أن اللّه تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح والثاني : أن هؤلاء أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، يقال : ناقة عصوف ، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم ، أي ذهبت بهم ، قال الشاعر : في فيلق شهباء ملمومة * تعصف بالمقبل والمدبر وقوله تعالى : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا الرحمة أو العذاب ، أو المراد الملائكة الذين ينشرون / الكتب يوم الحساب ، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم ، قال تعالى : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [ الإسراء : 13 ] وبالجملة فقد