فخر الدين الرازي

760

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

سورة المزمل واحتجوا عليه بأن قوله : فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ أمر وهو للوجوب لا سيما إذا تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون : بل المراد التطوع وحكمه ثابت . القول الثاني : أن المراد من قوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ إلى آخر الآية ليس هو الصلاة بل المراد التسبيح الذي هو القول والاعتقاد ، والمقصود أن يكون ذاكرا للّه في جميع الأوقات ليلا ونهارا بقلبه ولسانه ، وهو المراد من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الأحزاب : 41 ] . واعلم أن في الآية لطيفة أخرى وهي أنه تعالى قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [ الإنسان : 23 ] أي / هديناك إلى هذه الأسرار ، وشرحنا صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقادا مطيعا لأمرنا ، وإياك وأن تكون منقادا مطيعا لغيرنا ، ثم لما أمره بطاعته ، ونهاه عن طاعة غيره قال : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا ، فتارة يقال له : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وهو إشارة إلى معرفة الأسماء ، وتارة يقال له : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ [ الأعراف : 205 ] وهو إشارة إلى مقام الصفات ، وأما معرفة الحقيقة المخصوصة التي هي المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية ، فلا سبيل لشيء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره . واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهي والأمر عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين ، فقال تعالى : [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 27 ] إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) والمراد أن الذي حمل هؤلاء الكفار على الكفر ، وترك الالتفات والإعراض عما ينفعهم في الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل المذكورة في أول هذه السورة ، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة والراحات الدينية ، وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : لم قال : وَراءَهُمْ ولم يقل : قدامهم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : لما لم يلتفتوا إليه ، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم وثانيها : المراد ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف وثالثها : أن تستعمل بمعنى قدام كقوله : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [ إبراهيم : 16 ] وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [ الكهف : 79 ] . السؤال الثاني : ما السبب في وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل ؟ الجواب : استعير الثقل لشدته وهوله ، من الشيء الثقيل الذي يتعب حامله ونحوه ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 187 ] . ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعي لهم إلى هذا الكفر حب العاجل ، قال : [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 28 ] نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) والمراد أن حبهم للعاجلة يوجب عليهم طاعة اللّه من حيث الرغبة ومن حيث الرهبة ، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة ، وخلق جميع ما يمكن