فخر الدين الرازي
745
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فعليّ كذا كذا ، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر ، كما إذا قال : إن دخل فلان الدار فعليّ كذا ، فمن الناس من جعله كاليمين ، ومنهم من جعله من باب النذر ، إذا عرفت هذا ، فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال : أولها : أن المراد من النذر هو النذر فقط ، ثم قال الأصم : هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات . لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه اللّه عليه أوفى ، وهذا / التفسير في غاية الحسن وثانيها : المراد بالنذر هاهنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب اللّه تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات ، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها : قال الكلبي : المراد من النذر العهد والعقد ، ونظيره قوله تعالى : أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] فسمى فرائضه عهدا ، وقال : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] سماها عقودا لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأنه تعالى عقبه بيخافون يوما وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفا من شر ذلك اليوم ، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجبا ، وتأكد هذا بقوله تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بعد توكيدها [ النحل : 91 ] وبقوله : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [ الحج : 29 ] فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم . المسألة الثالثة : قال الفراء وجماعة من أرباب المعاني : كان في قوله : كانَ مِزاجُها كافُوراً [ الإنسان : 5 ] زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة ، والتقدير كانوا يوفون بالنذر . ولقائل أن يقول : إنا بينا أن كان في قوله : كانَ مِزاجُها [ الإنسان : 5 ] ليست بزائدة ، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون ، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال ، ثم قال : السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن يوفون بالنذر . النوع الثاني : من أعمال الأبرار التي حكاها اللّه تعالى عنهم قوله تعالى : وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً . واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل ، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله : يُوفُونَ حكى عنهم النية وهو قوله : وَيَخافُونَ يَوْماً وتحقيقه قوله عليه السلام : « إنما الأعمال بالنيات » وبمجموع هذين الأمرين سماهم اللّه تعالى بالأبرار وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل اللّه ، وكل ما كان فعلا للّه فهو يكون حكمة وصوابا ، وما كان كذلك لا يكون شرا ، فكيف وصفها اللّه تعالى بأنها شر ؟ الجواب : أنها إنما سميت شرا لكونها مضرة بمن تنزل عليه وصعبة عليه ، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شرورا . السؤال الثاني : ما معنى المستطير ؟ الجواب : فيه وجهان أحدهما : الذي يكون فاشيا منتشرا بالغا أقصى المبالغ ، وهو من قولهم : استطار الحريق ، واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر ، فإن قيل : كيف يمكن أن يقال : شر ذلك اليوم مستطير منتشر ، مع أنه تعالى قال في صفة أوليائه : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ؟ [ الأنبياء : 103 ] ، قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن هول القيامة شديد ، ألا ترى أن السماوات تنشق وتنفطر وتصير كالمهل ، وتتناثر الكواكب ، وتتكور / الشمس والقمر ، وتفرغ الملائكة ، وتبدل الأرض غير الأرض ،