فخر الدين الرازي
741
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : في الآية قولان : أحدهما : أن فيه تقديما وتأخيرا ، والمعنى فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه والقول الثاني : أنه لا حاجة إلى هذا التغيير ، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث ، بل للابتلاء والامتحان . ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر ، فقال : فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز ، كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام : لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [ مريم : 42 ] وأيضا قد يراد بالسميع المطيع ، كقوله سمعا وطاعة ، وبالبصير العالم يقال : فلان بصير في هذا الأمر ، ومنهم من قال : بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان واللّه تعالى خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها . [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 3 ] إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) قوله تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أخبر اللّه تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء ، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف ، وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات ، ينتزع منها عقائد صادقة أولية ، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن الكل أعظم من الجزء ، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية ، فثبت أن الحس مقدم في الوجود على العقل ، ولذلك قيل : من فقد حسا فقد علما ، ومن قال : المراد من كونه سميعا بصيرا هو العقل ، قال : إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل بين في هذه الآية ، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي يجب فعله ما هو والذي لا يجوز ما هو . المسألة الثانية : السبيل هو الذي يسلك من الطريق ، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل / هاهنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك ، ويكون معنى هَدَيْناهُ أي عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له ، كقوله تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] ويكون السبيل اسما للجنس ، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 2 ] ويجوز أن يكون المراد بالسبيل هو سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق ، فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [ الأحزاب : 67 ] وإنما أضلوهم سبيل الهدى ، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله : هَدَيْناهُ أي أرشدناه ، وإذا أرشد لسبيل الحق ، فقد نبه على تجنب ما سواها ، فكان اللفظ دليلا على الطريقين من هذا الوجه . المسألة الثالثة : المراد من هداية السبيل خلق الدلائل ، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب ، كأنه تعالى قال : خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه ليهلك من هلك عن بينة وليس معناه خلقنا الهداية ، ألا ترى أنه ذكر السبيل ، فقال : هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي أريناه ذلك .