فخر الدين الرازي

734

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم ، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين ، وقال آخرون : كَلَّا أي حقا إذا بلغت التراقي كان كذا وكذا ، والمقصود أنه لما بين تعظيم أحوال الآخرة بين أن الدنيا لا بد فيها من الانتهاء والنفاد والوصول إلى تجرع مرارة الموت . وقال مقاتل : كَلَّا أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة ، ولكنه لا يمكنه أن يدفع أنه لا بد من الموت ، ومن تجرع آلامها ، وتحمل آفاتها . ثم إنه تعالى وصف تلك الحالة التي تفارق الروح فيها الجسد فقال : إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد إذا بلغت النفس أو الروح أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك ، كقوله : [ القدر : 1 ] والتراقي جمع ترقوه . وهي عظم وصل بين ثغرة النحر ، والعاتق من الجانبين . واعلم أنه يكنى ببلوغ النفس التراقي عن القرب من الموت ، ومنه قول دريد بن الصمة : ورب عظيمة دافعت عنها * وقد بلغت نفوسهم التراقي ونظيره قوله تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] . المسألة الثانية : قال بعض الطاعنين : إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد مفارقتها عن القلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة ، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي ، تبقى الحياة حتى يقال فيه : من راق ، وحتى تلتف الساق بالساق والجواب : المراد من قوله : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ أي إذا حصل القرب من تلك الحالة . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 27 ] وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في راق وجهان الأول : أن يكون من الرقية يقال : رقاه يرقيه رقية إذا عوذه بما يشفيه ، كما يقال : بسم اللّه أرقيك ، وقائل هذا القول على هذا الوجه ، هم الذين يكونون حول الإنسان المشرف على الموت ، ثم هذا الاستفهام ، يحتمل أن يكون بمعنى الطلب كأنهم طلبوا له طبيبا يشفيه ، وراقيا يرقيه ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، كما يقول القائل عند اليأس : من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت الوجه الثاني : أن يكون قوله : مَنْ راقٍ من رقى يرقي رقيا ، ومنه قوله تعالى : وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [ الإسراء : 93 ] وعلى هذا الوجه يكون قائل هذا القول هم الملائكة . قال ابن عباس : إن الملائكة يكرهون القرب من الكافر ، فيقول ملك الموت من يرقى بهذا الكافر ، وقال الكلبي : يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة ، وسبعة من ملائكة العذاب مع ملك الموت ، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض ، أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو مَنْ راقٍ . المسألة الثانية : قال الواحدي إن إظهار النون عند حروف الفم لحسن ، فلا يجوز إظهار نون من في قوله : مَنْ راقٍ وروى حفص عن عاصم إظهار النون في قوله : مَنْ راقٍ و « 1 » بَلْ رانَ [ المطففين : 14 ] قال

--> ( 1 ) صوابه أن يقال واللام في ( بل ران ) .