فخر الدين الرازي

732

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم : المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه . التأويل الثالث : أن يكون معنى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى اللّه ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : « اعبد اللّه كأنك تراه » فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه الجواب : قوله : ليس النظر عبارة عن الرؤية ، قلنا : هاهنا مقامان : الأول : أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين : الأول : ما حكى اللّه تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله : أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي ، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت للّه تعالى وجهة ومكانا وذلك محال الثاني : أنه جعل النظر أمرا مرتبا على الإرادة فيكون النظر متأخرا عن الإرادة ، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة ، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي . المقام الثاني : وهو الأقرب إلى الصواب ، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته ، لكنا نقول : لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ، إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار ، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار . أما قوله : النظر جاء بمعنى الانتظار ، قلنا : لنا في الجواب مقامان : الأول : أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن ، ولكنه لم يقرن البتة بحرف إلى كقوله تعالى : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ الحديد : 13 ] وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [ الأعراف : 53 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 210 ] والذي ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى المعدي إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية / أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر ، فوجب أن لا يرد بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك . وأما قول الشاعر : وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمن تنتظر الخلاصا قلنا : هذا الشعر موضوع والرواية الصحيحة : وجوه ناظرات يوم بكر * إلى الرحمن تنتظر الخلاصا والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب ، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة ، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء ، وأما قول الشاعر : وإذا نظرت إليك من ملك فالجواب : أن قوله : وإذا نظرت إليك ، لا يمكن أن يكون المراد منه الانتظار ، لأن مجرد الانتظار لا يستعقب العطية بل المراد من قوله : وإذا نظرت إليك ، وإذا سألتك لأن النظر إلى الإنسان مقدمة المكالمة فجاز التعبير عنه به ، وقوله : كلمة إلى هاهنا ليس المراد منه حرف التعدي بل واحد الآلاء ، قلنا : إن إلى علي هذا القول تكون اسما للماهية التي يصدق عليه أنها نعمة ، فعلى هذا يكفي في تحقق مسمى هذه اللفظة أي جزء