فخر الدين الرازي

729

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة القيامة ( 75 ) : آية 19 ] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) فيه مسألتان : المسألة الأولى : الآية تدل على أنه عليه السلام كان يقرأ مع قراءة جبريل عليه السلام وكان يسأل في أثناء قراءته مشكلاته ، ومعانيه لغاية حرصه على العلم ، فنهي النبي عليه السلام عن الأمرين جميعا ، أما عن القراءة مع قراءة جبريل فبقوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ القيامة : 18 ] وأما عن إلقاء الأسئلة في البيان فبقوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ . المسألة الثانية : احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية . وأجاب أبو الحسين عنه من وجهين الأول : أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب وأنتم لا تقولون به الثاني : أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعارا بأنه ليس المراد من اللفظ ما يقتضيه ظاهره ، فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي ، وذكر القفال وجها ثالثا : وهو أن قوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أي ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه ، ونظيره قوله تعالى : فَكُّ رَقَبَةٍ إلى قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 13 - 17 ] والجواب عن الأول : أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان بل يقتضي تأخير وجوب البيان ، وعندنا الأمر كذلك لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة وعن الثاني : أن كلمة ثم دخلت مطلق البيان فيتناول البيان المجمل والمفصل ، وأما سؤال القفال فضعيف أيضا لأنه ترك للظاهر من غير دليل . المسألة الثالثة : قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يدل على أن بيان المجمل واجب على اللّه تعالى أما عندنا فبالوعد والتفضل . وأما عند المعتزلة فبالحكمة . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 20 إلى 21 ] كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : كَلَّا ردع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن عادة العجلة وحث على الأناة والتؤدة ، وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله : بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ، ومن ثم تحبون العاجلة / وتذرون الآخرة ، وقال سائر المفسرين : كَلَّا معناه حقا أي حقا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ، والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها ويتركون الآخرة ويعرضون عنها . المسألة الثانية : قرئ تحبون وتذرون بالتاء والياء وفيه وجهان الأول : قال الفراء : القرآن إذا نزل تعريفا لحال قوم ، فتارة ينزل على سبيل المخاطبة لهم . وتارة ينزل على سبيل المغايبة ، كقوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] الثاني : قال أبو علي الفارسي : الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان في قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ [ القيامة : 3 ] والمراد منه الكثرة ، كقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً [ المعارج : 19 ] والمعنى أنهم يحبون ويذرون ، والتاء على قل لهم : بل تحبون وتذرون .