فخر الدين الرازي

553

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

دعته إلى خلقهم ؟ نقول : إذا علمنا أنه تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة . الثاني : قال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الصورة سمج الخلقة ؟ نقول : لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده . الثالث : قوله تعالى : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يوهم الانتقال من جانب إلى جانب ، وذلك لا يمكن إلا أن يكون اللَّه في جانب ، فكيف هو ؟ قلت : ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر ، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزها عن الجانب وعن الجهة . ثم قال تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 5 إلى 7 ] أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 6 ) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 ) اعلم أن قوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة . فقوله : فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي شدة أمرهم مثل قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُ أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشرا . ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فكفروا وتولوا ، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى اللَّه عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ من جملة ما سبق ، والحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد ، وقوله تعالى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا قال في « الكشاف » : الزعم ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « زعموا مطية الكذب » وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ، ويتعدى إلى مفعولين ، تعدى ، العلم ، قال الشاعر : ولم أزعمك عن ذلك معزولا والذين كفروا هم أهل مكة بَلى إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل : قوله تعالى : قُلْ بَلى وَرَبِّي يحتمل أن يكون تعليما للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، أي يعلمه القسم تأكيدا لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن وقوله تعالى : وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي لا يصرفه صارف ، وقيل : إن أمر البعث على اللَّه يسير ، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا ترابا ، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم ، وفي الآية مباحث . الأول : قوله : فَكَفَرُوا يتضمن قوله : وَتَوَلَّوْا فما الحاجة إلى ذكره ؟ نقول : إنهم كفروا وقالوا : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية ، وذلك هو التولي ، فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على التولي ، ولهذا قال : فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا .