فخر الدين الرازي

705

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 14 ] وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه ، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا ، ولهذا المعنى يدعى بهذا فيقال أدام اللّه تمهيده أي بسطته وتصرفه في الأمور ، ومن المفسرين من جعل هذا التمهيد البسطة في العيش وطول العمر ، وكان الوليد من أكابر قريش ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 15 ] ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) لفظ ثم هاهنا معناه التعجب كما تقول لصاحبك : أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني ، ونظيره قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] فمعنى ( ثم ) هاهنا للإنكار والتعجب ثم تلك الزيادة التي كان يطمع فيها هل هي زيادة في الدنيا أو في الآخرة ؟ فيه قولان الأول : قال الكلبي ومقاتل : ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي الثاني : أن تلك الزيادة في الآخرة قيل : إنه كان يقول إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي ، ونظيره قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 16 ] كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) ثم قال تعالى : كَلَّا وهو ردع له عن ذلك الطمع الفاسد قال المفسرون ولم يزل الوليد في نقصان بعد قوله : كَلَّا حتى افتقر ومات فقيرا . قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً إنه تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال : لم لا يزاد ؟ فقيل : لأنه كان لآياتنا عنيدا والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير ، وفي / هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته أحدها : أنه كان معاندا في جميع الدلائل الدالة على التوحيد والعدل والقدرة وصحة النبوة وصحة البعث ، وكان هو منازعا في الكل منكرا للكل وثانيها : أن كفره كان كفر عناد كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر وثالثها : أن قوله : إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة ورابعها : أن قوله : إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات اللّه تعالى وبيناته ، فإن تقديره : إنه كان لآياتنا عنيدا لا لآيات غيرنا ، فتخصيصه هذا العناد بآيات اللّه مع كونه تاركا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 17 ] سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) أي سأكلفه صعودا وفي الصعود قولان : الأول : أنه مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق مثل قوله : يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [ الجن : 17 ] وصعود من قولهم : عقبة صعود وكدود شاقة المصعد والثاني : أن صعودا اسم لعقبة في النار كلما وضع يده عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت ، وعنه عليه الصلاة والسلام : « الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا » . ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده فقال :