فخر الدين الرازي
697
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لساحر ، فوقعت الضجة في الناس أن محمدا ساحر ، فلما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك اشتد عليه ، ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بثوبه ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ وثالثها : أنه عليه الصلاة والسلام كان نائما متدثرا بثيابه ، فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه ، وقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ كأنه قال : له اترك التدثر بالثياب والنوم ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك اللّه له . القول الثاني : أنه ليس المراد من المدثر ، المتدثر بالثياب ، وعلى هذا الاحتمال فيه وجوه أحدها : أن المراد كونه متدثرا بدثار النبوة والرسالة من قولهم : ألبسه اللّه لباس التقوى وزينه برداء العلم ، ويقال : تلبس فلان بأمر كذا ، فالمراد يا أيها المدثر بدثار النبوة قم فأنذر وثانيها : أن المتدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه ، وأنه عليه الصلاة والسلام في جبل حراء كان كالمختفي من الناس ، فكأنه قيل : يا أيها المتدثر بدثار الخمول والاختفاء ، قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحق وثالثها : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له : يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم ، والخلق الكريم ، والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك . المسألة الثالثة : عن عكرمة أنه قرئ على لفظ اسم المفعول من دثره ، كأنه قيل له : دثرت هذا الأمر وعصيت به ، وقد سبق نظيره في المزمل . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 2 ] قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) في قوله : قُمْ وجهان أحدهما : قم من مضجعك والثاني : قم قيام عزم وتصميم ، وفي قوله : فَأَنْذِرْ وجهان أحدهما : حذر قومك من عذاب اللّه إن لم يؤمنوا . وقال ابن عباس : قم نذيرا للبشر ، احتج القائلون بالقول الأول بقوله تعالى : وَأَنْذِرْ * [ الأنعام : 51 ] واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] وهاهنا قول ثالث ، وهو أن المراد فاشتغل بفعل الإنذار ، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة ، فإنه فرق بين أن يقال تعلم صنعة المناظرة ، وبين أن يقال : ناظر زيدا . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 3 ] وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) فيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير التكبير وجوها أحدها : قال الكلبي : عظم ربك / مما يقوله عبدة الأوثان وثانيها : قال مقاتل : هو أن يقول : اللّه أكبر ، روى أنه « لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : اللّه أكبر كبيرا ، فكبرت خديجة وفرحت ، وعلمت أنه أوحى إليه » وثالثها : المراد منه التكبير في الصلوات ، فإن قيل : هذه السورة نزلت في أول البعث وما كانت الصلاة واجبة في ذلك الوقت قلنا : لا يبعد أنه كانت له عليه السلام صلوات تطوعية ، فأمر أن يكبر ربه فيها ورابعها : يحتمل عندي أن يكون المراد أنه لما قيل له : قُمْ فَأَنْذِرْ قيل بعد ذلك : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عن اللغو والعبث . واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة ، ومهمات عظيمة ، لا يجوز لك الإخلال بها ، فقوله : وَرَبَّكَ كالتأكيد في تقرير قوله : قُمْ فَأَنْذِرْ وخامسها : عندي فيه وجه آخر وهو أنه لما أمره بالإنذار ، فكأن