فخر الدين الرازي
694
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ فيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد من قوله : أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ أقل منهما ، وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك . المسألة الثانية : قرئ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالنصب والمعنى أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف [ والثلث ] « 1 » وقرئ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالجر أي تقوم أقل من الثلثين والنصف والثلث ، لكنا بينا في تفسير قوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [ المزمل : 2 ] أنه لا يلزم من هذا أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام كان تاركا للواجب وقوله تعالى : وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وهم أصحابك يقومون من الليل هذا المقدار المذكور . قوله تعالى : وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني أن العالم بمقادير أجزاء الليل والنهار ليس إلا اللّه تعالى . قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فيه مسألتان : المسألة الأولى : الضمير في أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ عائد إلى مصدر مقدر أي علم أنه لا يمكنكم إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة ، ولا يمكنكم أيضا تحصيل تلك المقادير على سبيل الطعن والاحتياط إلا مع المشقة التامة ، قال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من قيام ما فرض عليه . المسألة الثانية : احتج بعضهم على تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى قال : لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تطيقوه ، ثم إنه كان قد كلفهم به ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه كقول القائل : ما أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه . وقوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ هو عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر كقوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [ البقرة : 187 ] والمعنى أنه رفع التبعة عنكم في ترك هذا العمل كما رفع التبعة عن التائب . قوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وفيه قولان : الأول : أن المراد من هذه القراءة / الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة ، فأطلق اسم الجزء على الكل ، أي فصلوا ما تيسر عليكم ، ثم هاهنا قولان : الأول : قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء ، وقال آخرون : بل نسخ وجوب ذلك التهجد واكتفى بما تيسر منه ، ثم نسخ ذلك أيضا بالصلوات الخمس القول الثاني : أن المراد من قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قراءة القرآن بعينها والغرض منه دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان قيل : يقرأ مائة آية ، وقيل : من قرأ مائة آية كتب من القانتين ، وقيل : خمسين آية ومنهم من قال : بل السورة القصيرة كافية ، لأن إسقاط التهجد إنما كان
--> ( 1 ) زيادة من الكشاف 4 / 178 ط . دار الفكر .