فخر الدين الرازي

686

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ إن أقوم ] « 1 » وأصوب وأهيأ واحد ، قال ابن جني ، وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ، فإذا وجدوها لم يلتفتوا إلى الألفاظ ونظيره ما روى أن أبا سوار الغنوي كان يقرأ : ( فحاسوا خلال الديار ) بالحاء غير المعجمة ، فقيل له : إنما هو جاسوا ، فقال : حاسوا وجاسوا واحد وأنا / أقول : يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك تفسيرا للفظ القرآن لا على أنه جعله نفس القرآن ، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جني لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ، ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقا لذلك المعنى ، ثم ربما أصاب في ذلك الاعتقاد ، وربما أخطأ وهذا يجر إلى الطعن في القرآن ، فثبت أنه حمل ذلك على ما ذكرناه . [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 7 ] إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال المبرد : سبحا أي تقلبا فيما يجب ولهذا سمي السابح سابحا لتقلبه بيديه ورجليه ، ثم في كيفية المعنى وجهان الأول : إن لك في النهار تصرفا وتقلبا في مهماتك فلا تتفرغ لخدمة اللّه إلا بالليل ، فلهذا السبب أمرتك بالصلاة في الليل الثاني : قال الزجاج : أي إن فاتك من الليل شيء من النوم والراحة فلك في النهار فراغه فاصرفه إليه . المسألة الثانية : قرئ سبخا بالخاء المنقطة من فوق ، وهو استعارة من سبخ الصوف وهو نقشه ونشر أجزائه ، فإن القلب في النهار يتفرغ بسبب الشواغل ، وتختلف همومه بسبب الموجبات المختلفة ، واعلم أنه تعالى أمر رسوله أولا بقيام الليل ، ثم ذكر السبب في أنه لم خص الليل بذلك دون النهار ، ثم بين أن أشرف الأعمال المأمور بها عند قيام الليل ما هو . [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 8 ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ( 8 ) [ في قوله تعالى وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ] وهذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بشيئين أحدهما : الذكر ، والثاني : التبتل ، أما الذكر فاعلم أنه إنما قال : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ هاهنا وقال في آية أخرى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [ الأعراف : 205 ] لأنه لا بد في أول الأمر من ذكر الاسم باللسان مدة ثم يزول الاسم ويبقى المسمى ، فالدرجة الأولى هي المراد بقوله هاهنا : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ والمرتبة الثانية هي المراد بقوله في السورة الأخرى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ وإنما تكون مشتغلا بذكر الرب ، إذا كنت في مقام مطالعة ربوبيته ، وربوبيته عبارة عن أنواع تربيته لك وإحسانه إليك ، فما دمت في هذا المقام تكون مشغول القلب بمطالعة آلائه ونعمائه فلا تكون مستغرق القلب به ، وحينئذ يزداد الترقي فتصير مشتغلا بذكر إلهيته ، وإليه الإشارة بقوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ [ البقرة : 200 ] وفي هذا المقام يكون الإنسان في مقام الهيبة والخشية ، لأن الإلهية إشارة إلى القهارية والعزة والعلو والصمدية ، ولا يزال العبد يرقى في هذا المقام مترددا في مقامات الجلال والتنزيه والتقديس إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الأحدية ، التي كلت العبارات عن شرحها ، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها ، وهناك الانتهاء إلى الواحد الحق ، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير في الصفات ، حتى يحصل الانتقال من صفة إلى صفة ، ولا « 2 » تكون الهوية

--> ( 1 ) زيادة من الكشاف 4 / 176 ط . دار الفكر . ( 2 ) في الأصل ( ولا أن تكون ) وأن فيما يظهر لي زائدة فحذفتها وأنبهت إلى ذلك رعاية للأصل .