فخر الدين الرازي

680

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم اللّه تعالى بهذه الآية لأن معنى الآية ليعلم اللّه أن قد أبلغوا الرسالة ، ونظيره قوله تعالى : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ [ محمد : 31 ] والجواب من وجهين الأول : قال قتادة ومقاتل : ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة ، وعلى هذا ، اللام في قوله : لِيَعْلَمَ متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل : أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق ، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم ، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من اللّه الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم اللّه أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم ، والعلم هاهنا مثله في قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [ آل عمران : 142 ] والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم . المسألة الثالثة : قرئ ليعلم على البناء للمفعول . أما قوله : وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ فهو يدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ، وأما قوله : وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً فهو يدل على كونه عالما بجميع الموجودات ، فإن قيل : إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، وقوله : كُلَّ شَيْءٍ يدل على كونه غير متناه ، فلزم وقوع التناقض في الآية ، قلنا : لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، فأما لفظة كُلَّ شَيْءٍ فإنها لا تدل على كونه غير متناه ، لأن الشيء عندنا هو الموجودات ، والموجودات متناهية في العدد ، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء ، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئا ، لكانت الأشياء غير متناهية ، وقوله : وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً يقتضي كون تلك المحصيات متناهية ، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال ، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض . واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .