فخر الدين الرازي
548
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السبعين » فأنزل اللَّه تعالى : لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ قال ابن عباس : المنافقين ، وقال قوم : فيه بيان أن اللَّه تعالى يملك هداية وراء هداية البيان ، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك ، وقيل : معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة : لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث : البحث الأول : لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها ؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى : قال في « الشكاف » : شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ، بالخشب المسندة إلى الحائط ، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع ، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة جدواهم الثانية : الخشب المسندة في الأصل كانت غصنا طريا يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها ، ثم تصير غليظة يابسة ، والكافر والمنافق كذلك كان في الأصل صالحا لكذا وكذا ، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة : الكفرة من جنس الإنس حطب ، كما قال تعالى : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [ الأنبياء : 98 ] والخشب المسندة حطب أيضا الرابعة : أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة ، والآخر إلى جهة أخرى ، والمنافقون كذلك ، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر ، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة : المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات ، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك ، وإذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام ، إنها من الجمادات أو النباتات . الثاني : من المباحث أنه تعالى شبههم بالخشب المسندة ، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه وهو قوله تعالى : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] والخشب المسندة لا يحسبون أصلا ، نقول : لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف ، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع ، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها . الثالث : قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ولم يقل : القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره ؟ نقول : كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله : الْفاسِقِينَ أي الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون . ثم قال تعالى : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 7 إلى 8 ] هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) أخبر اللَّه تعالى بشنيع مقالتهم فقال : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كذا وكذا : و يَنْفَضُّوا أي يتفرقوا ، وقرئ : ينفضوا من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، قال المفسرون : اقتتل أجير عمر مع أجير عبد اللَّه بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد اللَّه بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب عبد اللَّه وعنده رهط