فخر الدين الرازي
669
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 9 ] وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) أي كنا نستمع فالآن متى حاولنا الاستماع رمينا بالشهب ، وفي قوله : شِهاباً رَصَداً وجوه أحدها : قال مقاتل : يعني رميا من الشهب ورصدا من الملائكة ، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير شهابا ورصدا لأن الرصد غير الشهاب وهو جمع راصد وثانيها : قال الفراء : أي شهابا قد أرصد له ليرجم به ، وعلى هذا الرصد نعت للشهاب ، وهو فعل بمعنى مفعول وثالثها : يجوز أن يكون رصدا أي راصدا ، وذلك لأن الشهاب لما كان معدا له ، فكأن الشهاب راصد له ومترصد له واعلم أنا قد استقصينا في هذه المسألة في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] فإن قيل : هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث ، ويدل عليه أمور أحدها : أن جميع الفلاسفة المتقدمين تكلموا في أسباب انقضاض هذه الشهب ، وذلك يدل على أنها كانت موجودة قبل المبعث وثانيها : قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] ذكر في خلق الكواكب فائدتين ، التزيين ورجم الشياطين وثالثها : أن وصف هذا الانقضاض جاء في شعر أهل الجاهلية ، قال أوس بن حجر : فانقض كالدريّ يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا وقال عوف بن الخرع : يرد علينا العير من دون إلفه * أو الثور كالدرى يتبعه الدم و روى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : « بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم / جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال : ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ؟ فقالوا كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم » الحديث إلى آخره ذكرناه في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ قالوا : فثبت بهذه الوجوه أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث ، فما معنى تخصيصها بمحمد عليه الصلاة والسلام ؟ والجواب : مبني على مقامين : المقام الأول : أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل المبعث وهذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وأبي بن كعب ، روي عن ابن عباس قال : كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا ، أما الكلمة فإنها تكون حقة ، وأما الزيادات فتكون باطلة فلما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم منعوا مقاعدهم ، ولم تكن النجوم يرى بها قبل ذلك ، فقال لهم إبليس : ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائما يصلي ، الحديث إلى آخره ، وقال أبي بن كعب : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى بعث رسول اللّه فرمي بها ، فرأت قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم ، يظنون أنه الفناء ، فبلغ ذلك بعض أكابرهم ، فقال : لم فعلتم ما أرى ؟ قالوا : رمي بالنجوم فرأيناها تتهافت من السماء ، فقال : اصبروا فإن تكن نجوما معروفة فهو وقت فناء الناس ، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو أمر قد حدث فنظروا ، فإذا هي لا تعرف ، فأخبروه فقال : في الأمر مهلة ، وهذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أمواله وأخبر أولئك الأقوام بأنه ظهر محمد بن عبد اللّه ويدعي أنه نبي مرسل ، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه المعجزة ،