فخر الدين الرازي
665
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في تجسس الخبر الثاني : أن الذين رموا بالشهب كانوا من الجن إلا أنه قيل لهم : شياطين كما قيل : شياطين الجن والإنس فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة اللّه ، واختلفوا في أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم ؟ فروى عاصم عن ذر قال : قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى اللّه عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم انصرفوا فذلك قوله : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ [ الأحقاف : 29 ] وقيل : كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود إبليس منهم . القول الثاني : وهو مذهب ابن مسعود أنه أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام ، قال ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام : « أمرت أن أتلو القرآن على الجن / فمن يذهب معي ؟ فسكتوا ، ثم قال الثانية فسكتوا ، ثم قال الثالثة ، فقال : عبد اللّه قلت أنا أذهب معك يا رسول اللّه قال : فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي دب ، خط علي خطا فقال : لا تجاوزه ، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط « 1 » يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه ، فغاب عن بصري فقمت ، فأومأ إلي بيده أن أجلس ، ثم تلا القرآن ، فلم يزل صوته يرتفع ، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم . وفي رواية أخرى فقالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أنت ؟ قال : أنا نبي اللّه ، قالوا : فمن يشهد لك على ذلك ؟ قال : هذه الشجرة ، تعالي يا شجرة ، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى انصبت بين يديه ، فقال على ماذا تشهدين لي ؟ قالت : أشهد أنك رسول اللّه ، قال : اذهبي ، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت . قال ابن مسعود : فلما عاد إلي ، قال : أردت أن تأتيني ؟ قلت : نعم يا رسول اللّه قال : ما كان ذلك لك ، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين ، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر ، فلا يستطيبن أحد بعظم ولا بعر . واعلم أنه لا سبيل إلى تكذيب الروايات ، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس ، ومذهب ابن مسعود من وجوه أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا ، فأوحى اللّه تعالى إليه بهذه السورة ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود وثانيها : أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة ، إلا أنه عليه السلام أمر بالذهاب إليهم ، وقراءة القرآن عليهم ، إلا أنه عليه السلام ما عرف أنهم ماذا قالوا ، وأي شيء فعلوا ، فاللّه تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وقالوا كذا وثالثها : أن الواقعة كانت مرة واحدة ، وهو عليه السلام رآهم وسمع كلامهم ، وهم آمنوا به ، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على سبيل الحكاية : إنا سمعنا قرآنا عجبا وكان كذا وكذا ، فأوحى اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم ، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة فلا سبيل إلى التكذيب . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : قُلْ أمر منه تعالى لرسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى اللّه في واقعة الجن ، وفيه فوائد إحداها : أن يعرفوا بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى الإنس ، فقد بعث إلى الجن وثانيها : أن يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه ، فآمنوا بالرسول وثالثها : أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس ورابعها : أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا وخامسها : أن يظهر أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان ، وفي كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس .
--> ( 1 ) يروى الحديث هكذا : « أجسامهم كأجسام الزط ورؤسهم كرؤوس المكاكي » . يعني عظام الأجسام صغار الرؤوس والمكاكي جمع مكاء وهو طائر صغير .