فخر الدين الرازي
657
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأصنام على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة ، فدين عبادة الأوثان إنما ظهر من اعتقاد التجسيم الوجه الثاني : وهو أن جماعة الصابئة كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم خلق هذه الكواكب الثابتة والسيارة ، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها ، فالبشر عبيد هذه الكواكب ، والكواكب عبيد الإله الأعظم ، فالبشر يجب عليهم عبادة الكواكب ، ثم إن هذه الكواكب كانت تطلع مرة وتغيب أخرى ، فاتخذوا أصناما على صورها واشتغلوا بعبادتها ، وغرضهم عبادة الكواكب الوجه الثالث : أن القوم الذين كانوا في قديم الدهر ، كانوا منجمين على مذهب أصحاب الأحكام ، في إضافات سعادات هذا العالم ونحوساتها إلى الكواكب ، فإذا اتفق في الفلك شكل عجيب صالح لطلسم عجيب ، فكانوا يتخذون ذلك الطلسم ، وكان يظهر منه أحوال عجيبة وآثار عظيمة ، وكانوا يعظمون ذلك الطلسم ويكرمونه ويشتغلون بعبادته ، وكانوا يتخذون كل طلسم على شكل موافق لكواكب خاص على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر الوجه الرابع : أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها ، وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ماتوا حتى يكونوا شافعين لهم عند اللّه وهو المراد من قولهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] الوجه الخامس : أنه ربما مات ملك عظيم ، أو شخص عظيم ، فكانوا يتخذون تمثالا على صورته وينظرون إليه ، فالذين جاءوا بعد ذلك ظنوا أن آباءهم كانوا يعبدونها فاشتغلوا بعبادتها لتقليد الآباء ، أو لعل هذه الأسماء الخمسة وهي : ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ، أسماء خمسة من أولاد آدم ، فلما ماتوا قال إبليس لمن بعدهم : لو صورتم صورهم ، فكنتم تنظرون إليهم ، ففعلوا فلما مات أولئك / قال لمن بعدهم : إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم ، ولهذا السبب نهى الرسول عليه السلام عن زيارة القبور أولا ، ثم أذن فيها على ما يروى أنه عليه السلام قال : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة » السادس : الذين يقولون إنه تعالى جسم ، وإنه يجوز عليه الانتقال والحلول ، لا يستبعدون أن يحل تعالى في شخص إنسان ، أو في شخص صنم ، فإذا أحسوا من ذلك الصنم المتخذ على وجه الطلسم حالة عجيبة ، خطر ببالهم أن الإله حصل في ذلك الصنم ولذلك فإن جمعا من قدماء الروافض لما رأوا أن عليا عليه السلام قلع باب خيبر ، وكان ذلك على خلاف المعتاد قالوا : إن الإله حل في بدنه وإنه هو الإله الوجه السابع : لعلهم اتخذوا تلك الأصنام كالمحراب ومقصودهم بالعبادة هو اللّه ، فهذا جملة ما في هذا الباب ، وبعضها باطلة بدليل العقل ، فإنه لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم بطل اتخاذ الصنم على صورة الإله ، وبطل القول أيضا بالحلول والنزول ، ولما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات ، بطل القول بالوسائط والطلسمات ، ولما جاء الشرع بالمنع من اتخاذ الصنم ، بطل القول باتخاذها محاريب وشفعاء . المسألة السادسة : هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم ، ثم إنها انتقلت عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بعبد ود ، وعبد يغوث ، هكذا قيل في الكتب ، وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان ، فكيف بقيت تلك الأصنام ، وكيف انتقلت إلى العرب ، ولا يمكن أن يقال : إن نوحا عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها . المسألة السابعة : قرئ : لا تَذَرُنَّ وَدًّا بفتح الواو وبضم الواو ، قال الليث : ود بفتح الواو صنم كان