فخر الدين الرازي
652
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 - 3 ] وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ [ طه : 132 ] وثالثها : أنه تعالى قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فإذا اشتغلوا بتحصيل المقصود حصل ما يحتاج إليه في الدنيا على سبيل التبعية ورابعها : أن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت ، فقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء . المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة ، ونوأه يكون عزيزا شبه عمر ( الاستغفار ) بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ ، وعن بكر بن عبد اللّه : أن أكثر الناس ذنوبا أقلهم استغفارا ، وأكثرهم استغفارا أقلهم ذنوبا ، وعن الحسن : أن رجلا شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر اللّه ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة السل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له بعض القوم : أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا له الآية ، وهاهنا سؤالات : الأول : أن نوحا عليه السلام أمر الكفار قبل هذه الآية بالعبادة والتقوى والطاعة ، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار ؟ الجواب : أنه لما أمرهم بالعبادة قالوا له : إن كان الدين القديم الذي كنا عليه حقا فلم تأمرنا بتركه ، وإن كان باطلا فكيف يقبلنا بعد أن / عصيناه ، فقال نوح عليه السلام : إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب ، فإنه سبحانه كان غفارا . السؤال الثاني : لم قال : إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ولم يقل : إنه غفار ؟ قلنا المراد : إنه كان غفارا في حق كل من استغفروه كأنه يقول : لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن ، بل هو أبدا هكذا كان ، فكأن هذا هو حرفته وصنعته . وقوله تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 11 إلى 12 ] يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) واعلم أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة ، ولذلك قال تعالى : وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [ الصف : 13 ] فلا جرم أعلمهم اللّه تعالى هاهنا أن إيمانهم باللّه يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا . والأشياء التي وعدهم من منافع الدنيا في هذه الآية خمسة أولها : قوله : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وفي السماء وجوه : أحدها : ( أن ) « 1 » المطر منها ينزل إلى السحاب وثانيها : أن يراد بالسماء السحاب وثالثها : أن يراد بالسماء المطر من قوله : إذا نزل السماء بأرض قوم * [ رعيناه وإن كانوا غضابا ] والمدرار الكثير الدرور ، ومفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كقولهم : رجل أو امرأة معطار ومتفال وثانيها : قوله : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وهذا لا يختص بنوع واحد من المال بل يعم الكل وثالثها : قوله : وَبَنِينَ ولا شك أن ذلك مما يميل الطبع إليه . ورابعها : قوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ أي بساتين وخامسها : قوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً . ثم قال :
--> ( 1 ) في الكشاف للزمخشري : ( والسماء : المظلة لأن المطر منها . . . ) 4 / 162 ط . دار الفكر .