فخر الدين الرازي
643
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأفعال ، فلا يمكن أن يقال : رجلا حال كونه عالما ، ويمكن أن يقال : رأيت رجلا حال كونه عالما وثانيها : أن تكون لظى اسما لنار تتلظى تلظيا شديدا ، فيكون هذا الفعل ناصبا ، لقوله : نَزَّاعَةً وثالثها : أن تكون منصوبة على الاختصاص ، والتقدير : إنها لظى أعنيها نزاعة للشوى ، ولم تمنع . المسألة الثالثة : الشوى الأطراف ، وهي اليدان والرجلان ، ويقال للرامي : إذا لم يصب المقتل أشوى ، أي أصاب الشوى ، والشوى أيضا جلد الرأس ، واحدتها شواة ومنه قول الأعشى : قالت قتيلة ماله * قد جللت شيبا شواته هذا قول أهل اللغة ، قال مقاتل : تنزع النار الهامة والأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا إلا أحرقته ، وقال سعيد بن جبير : العصب والعقب ولحم الساقين واليدين ، وقال ثابت البناني : لمكارم وجه بني آدم . واعلم أن النار إذا أفنت هذه الأعضاء ، فاللّه تعالى يعيدها مرة أخرى ، كما قال : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 17 إلى 18 ] تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 ) فيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في أن لظى كيف تدعو الكافر ، فذكروا وجوها أحدها : أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل : سل الأرض من أشق أنهارك ، وغرس أشجارك ؟ فإن لم تجبك جؤارا ، أجابتك اعتبارا فههنا لما كان مرجع كل واحد من الكفار إلى زاوية من زوايا جهنم ، كأن تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم وثانيها : أن اللّه تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحا : إلي يا كافر ، إلي يا منافق ، ثم تلتقطهم التقاط الحب وثالثها : المراد أن زبانية النار يدعون فأضيف ذلك الدعاء إلى النار بحذف المضاف ورابعها : تدعو تهلك من قول العرب دعاك اللّه أي أهلكك ، وقوله : مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يعني من أدبر عن الطاعة وتولى عن الإيمان وَجَمَعَ المال فَأَوْعى أي جعله في وعاء وكنزه ، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيها فقوله : أَدْبَرَ وَتَوَلَّى إشارة إلى الإعراض عن معرفة اللّه وطاعته ، وقوله : وَجَمَعَ فَأَوْعى إشارة إلى حب الدنيا ، فجمع إشارة إلى الحرص ، وأوعى إشارة إلى الأمل ، ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا هذه . [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 19 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد بالإنسان هاهنا الكافر ، وقال آخرون : بل هو على عمومه ، بدليل أنه استثنى منه إِلَّا الْمُصَلِّينَ . المسألة الثانية : يقال : هلع الرجل يهلع هلعا وهلاعا فهو هالع وهلوع ، وهو شدة الحرص وقلة الصبر ، يقال : جاع فهلع ، وقال الفراء : الهلوع الضجور ، وقال المبرد : الهلع الضجر ، يقال : نعوذ باللّه من الهلع عند منازلة الأقران ، وعن أحمد بن يحيى ، قال لي محمد بن عبد اللّه بن طاهر : ما الهلع ؟ فقلت : قد فسره اللّه ، ولا