فخر الدين الرازي

641

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تكون السماء كالمهل ، أي يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم وثانيها : التقدير : سأل سائل بعذاب واقع يوم تكون السماء كالمهل والثالث : التقدير يوم تكون السماء كالمهل كان كذا وكذاو الرابع : أن يكون بدلا من يَوْمَ . والتقدير سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يوم تكون السماء كالمهل . المسألة الثانية : أنه ذكر لذلك اليوم صفات : الصفة الأولى : أن السماء تكون فيه كالمهل وذكرنا تفسير المهل عند قوله : بِماءٍ كَالْمُهْلِ [ الكهف : 29 ] قال ابن عباس : كدردي الزيت ، وروى عنه عطاء : كعكر القطران ، وقال الحسن : مثل الفضة إذا أذيبت ، وهو قول ابن مسعود . الصفة الثانية : أن تكون الجبال فيه كالعهن ، ومعنى العهن في اللغة : الصوف المصبوغ ألوانا ، وإنما وقع التشبيه به ، لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح . الصفة الثالثة : قوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال ابن عباس الحميم القريب الذي يعصب له ، وعدم السؤال إنما كان لاشتغال كل أحد بنفسه ، وهو كقوله : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [ الحج : 2 ] وقوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ إلى قوله لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] ثم في الآية وجوه أحدها : أن يكون / التقدير : لا يسأل حميم عن حميمه فحذف الجار وأوصل الفعل الثاني : لا يسأل حميم حميمه كيف حالك ولا يكلمه ، لأن لكل أحد ما يشغله عن هذا الكلام الثالث : لا يسأل حميم حميما شفاعة ، ولا يسأل حميم حميما إحسانا إليه ولا رفقا به . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير : ولا يسئل بضم الياء ، والمعنى لا يسأل حميم عن حميمه ليتعرف شأنه من جهته ، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه ، وهذا أيضا على حذف الجار قال الفراء : أي لا يقال لحميم أين حميمك ولست أحب هذه القراءة لأنها مخالفة لما أجمع عليه القراء . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 11 إلى 12 ] يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) قوله تعالى : يُبَصَّرُونَهُمْ يقال : بصرت به أبصر ، قال تعالى : بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ [ طه : 96 ] ويقال : بصرت زيد بكذا فإذا حذفت الجار قلت : بصرني زيد كذا فإذا أثبت الفعل للمفعول به وقد حذفت الجار قلت : بصرني زيدا ، فهذا هو معنى يبصرونهم ، وإنما جمع فقيل : يبصرونهم لأن الحميم وإن كان مفردا في اللفظ فالمراد به الكثرة والجميع والدليل عليه قوله تعالى : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ [ الشعراء : 100 ] ومعنى يبصرونهم يعرفونهم ، أي يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه ، وهو مع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه ، فإن قيل : ما موضع يبصرونهم ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أنه متعلق بما قبله كأنه لما قال : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [ المعارج : 10 ] قيل : لعله لا يبصره فقيل يبصرونهم ولكنهم لاشتغالهم بأنفسهم لا يتمكنون من تساؤلهم الثاني : أنه متعلق بما بعده ، والمعنى أن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه لكل ما