فخر الدين الرازي
636
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأقول : للمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية على أن الكفر ليس من اللّه ، وذلك لأنه وصف القرآن بأنه تذكرة للمتقين ، ولم يقل : بأنه إضلال للمكذبين ، بل ذلك الضلال نسبه إليهم ، فقال : وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ، ونظيره قوله في سورة النحل : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [ النحل : 9 ] واعلم أن الجواب عنه ما تقدم . ثم قال تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 50 ] وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الضمير في قوله : إِنَّهُ إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان : الأول : أنه عائد إلى القرآن ، فكأنه قيل : وإن القرآن لحسرة على الكافرين . إما يوم القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به ، أو في دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين والثاني : قال مقاتل : وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم ، ودل عليه قوله : وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ [ الحاقة : 49 ] . ثم قال تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 51 ] وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( 51 ) معناه أنه حق يقين ، أي حق لا بطلان فيه ، ويقين لا ريب فيه ، ثم أضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد . ثم قال : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 52 ] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 52 ) إما شكرا على ما جعلك أهلا لإيحائه إليك ، وإما تنزيها له عن الرضا بأن ينسب إليه الكاذب من الوحي ما هو بريء عنه . وأما تفسير قوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ فمذكور في أول سورة : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] وفي تفسير قوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين .