فخر الدين الرازي
340
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأول : ما الحكمة في تعريفه عما يرجع إلى اللّه تعالى حيث قال هما : بِحُسْبانٍ ولم يقل : حركهما اللّه بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال : خَلَقَ الْإِنْسانَ وقال : عَلَّمَهُ الْبَيانَ ؟ [ الرحمن : 3 ، 4 ] نقول : فيه حكم منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان أتم وأعظم من خلق المنافع له من الرزق وغيره ، حيث صرح هناك بأنه فاعله وصانعه ولم يصرح هنا ، ومنها أن قوله : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ هاهنا بمثل هذا في العظم يقول القائل : إني أعطيتك الألوف والمئات مرارا وحصل لك الآحاد والعشرات كثيرا وما شكرت ، ويكون معناه حصل لك مني ومن عطائي لكنه يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير ، ومنها أنه لما بينا أن قوله : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إشارة إلى دليل عقلي مؤكد السمعي ولم يقل : فعلت صريحا إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه مني واعترفت به ، وأما السمعي فصرح بما يرجع إليه من الفعل الثاني : على أي وجه تعلق الباء من بِحُسْبانٍ ، نقول : هو بين من تفسيره والتفسير أيضا مر بيانه وخرج من وجه آخر ، فنقول : في الحسبان وجهان الأول : المشهور أن المراد الحساب يقال : حسب حسابا وحسبانا ، وعلى هذا فالباء للمصالحة تقول : قدمت بخير أي مع خير ومقرونا بخير فكذلك الشمس والقمر يجريان ومعهما حسابهما ومثله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ويحتمل أن تكون للاستعانة كما في قولك : بعون اللّه غلبت ، وبتوفيق اللّه حجت ، فكذلك يجريان بحسبان من اللّه والوجه الثاني : أن الحسبان هو الفلك تشبيها له بحسبان الرحا وهو ما يدور فيدير الحجر ، وعلى هذا فهو للاستعانة كما يقال في الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران بالفلك وهو كقوله تعالى : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] ، الثالث : على الوجه المشهور هل كل واحد يجري بحسبان أو كلاهما بحسبان واحد ما المراد ؟ نقول : كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو / كقوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ * [ الأنبياء : 33 ] لا بمعنى أن الكل مجموع في فلك واحد وكقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] وإن نظرنا إلى اللّه تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب ، مثاله من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيبا معلوما بحساب واحد ، ثم يختلف الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس والبعض كذا والبعض كذا ، فكذلك الحساب الواحد . وأما قوله : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ففيه أيضا مباحث : الأول : ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة ، ومن هنا ذكرها بالواو العاطفة ؟ نقول ليتنوع الكلام نوعين ، وذلك لأن من بعد النعم على غيره تارة يذكر نسقا من غير حرف ، فيقول : فلان أنعم عليك كثيرا ، أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذلك ، قواك بعد ضعف ، وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك العاطف قد يكون واوا وقد يكون فاء وقد يكون ثم ، فيقول : فلان أكرمك وأنعم عليك وأحسن إليك ، ويقول : رباك فعلمك فأغناك ، ويقول : أعطاك ثم أغناك ثم أحوج الناس إليك ، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعا ، فإن قيل : زده بيانا وبين الفرق بين النوعين في المعنى ، قلنا : الذي يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام ، ولهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثا أو عندما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول : فلان أعطاك المال وزوجك البنت ، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين للأنموذج ، والذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها ، وإذهاب توهم البدل والتفسير ، فإن قول القائل : أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير