فخر الدين الرازي

333

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

القعود جلوس فيه مكث حقيقة واقتضاء ، ويدل عليه وجوه الأول : هو أن الزمن يسمى مقعدا ولا يسمى مجلسا لطول المكث حقيقة ومنه سمي قواعد البيت والقواعد من النساء قواعد ولا يقال لهن : جوالس لعدم دلالة الجلوس على المكث الطويل فذكر القواعد في الموضعين لكونه مستقرا بين الدوام والثبات على حالة واحدة ويقال للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء ، وإن لم يكن حقيقة فهو لصونه عن الحمل واتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك ولم يرد للإجلاس الثاني : النظر إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د وقلبتها تجد معنى المكث في الكل فإذا قدمت القاف رأيت قعد وقدع بمعنى ومنه تقادع الفراش بمعنى تهافت ، وإذا قدمت العين رأيت عقد وعدق بمعنى المكث في غاية الظهور وفي عدق لخفاء يقال : أعدق بيدك الدلو في البئر إذا أمره بطلبه بعد وقوعه فيها والعودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع في البئر ، وإذا قدمت الدال رأيت دقع ودعق والمكث في الدقع ظاهر والدقعاء هي التراب الملتصق بالأرض والفقر المدقع هو الذي يلصق صاحبه بالتراب . وفي دعق أيضا إذ الدعق مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون صلبا أجزاؤه متداخل بعضها ببعض لا يتحرك شيء منها عن موضعه الوجه الثالث : الاستعمالات في القعود إذا اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ النساء : 95 ] والمراد الذي لا يكون بعده اتباع وقال تعالى : مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ آل عمران : 121 ] مع أنه تعالى قال : إِنَّ اللَّهَ / يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [ الصف : 4 ] فأشار إلى الثبات العظيم . وقال تعالى : إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [ الأنفال : 45 ] فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بثبات ومكث وإطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضا يدل عليه ، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقعود حصل لك فوائد منها هاهنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ، ومنها في قوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم ، ثم إذا عرف هذا وقيل للمفسرين الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر ؟ يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله : حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] و لَدَيَّ عَتِيدٌ [ ق : 23 ] وقوله : جَبَّارٍ عَنِيدٍ * [ هود : 59 ] يناسب القعيد ، ولا الجليس وإعجاز القرآن ليس في السجع ، وإذا نظرت إلى ما ذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه ، وهذا هو المعجز وذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعا للفظ ، واللَّه تعالى بين الحكمة على ما ينبغي وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغي ، وفائدة أخرى في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [ المجادلة : 11 ] فإن قوله : فَافْسَحُوا إشارة إلى الحركة ، وقوله : فَانْشُزُوا إشارة إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته وليس بمقعد حتى لا يفارقونه . المسألة الثالثة : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ وجهان أحدهما : مقعد صدق ، أي صالح يقال : رجل صدق للصالح ورجل سوء للفاسد ، وقد ذكرناه في سورة : إِنَّا فَتَحْنا في قوله تعالى : وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ [ الفتح : 12 ] ، وثانيهما : الصدق المراد منه ضد الكذب ، وعلى هذا ففيه ووجهان الأول : مقعد صدق من أخبر عنه وهو اللَّه ورسوله الثاني : مقعد ناله من صدق فقال : بأن اللَّه واحد وأن محمدا رسوله ، ويحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا