فخر الدين الرازي

331

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عادتهم ، وهذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا وإن كان نكرة يحسن الابتداء به للعموم وعدم الإبهام . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 54 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات في سور منها : الطُّورِ وأما النهر ففيه قراءات فتح النون والهاء كحجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار وهذا هو الظاهر الأصح وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه ، وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه ، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر ، فما معنى قوله تعالى : وَنَهَرٍ ؟ نقول : قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الذاريات : 15 ] في سورة الذاريات ، وقلنا : المراد في خلال العيون ، وفيما بينها من المكان وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس ، ولهذا قال تعالى : فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [ المرسلات : 41 ] . وإذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها ، فكذلك النهر ، ونزيد هاهنا وجها آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال : « علفتها تبنا وماء باردا » وقالوا : تقلدت سيفا ورمحا ، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في . المسألة الثانية : وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من المواضع كما في قوله تعالى : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * [ البقرة : 25 ] إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما على الجواب الأول فنقول : لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار ، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال . وأما في قوله تعالى : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهرا واحدا كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة وأما على الثاني فنقول : الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى سعتها وكثرة / أشجارها وتنوعها والتوحيد عندما قال : مَثَلُ الْجَنَّةِ * [ محمد : 15 ] وقال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها ، وإذا علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار وتلك الدار في محلة ، وتلك المحلة في مدينة ، يقال إنه في بلدة كذا ، وأما القرب فإذا كان الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه جالس عند نهرين ، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر ، لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند نهرين ، والثالث منه أبعد من النهرين ، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان واحد عند أنهار واللَّه تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا ، فقال : عند نهر لما بينا أن قوله : وَنَهَرٍ وإن كان يقتضي في نهر لكن ذلك للمجاورة كما في تقلدت سيفا ورمحا ، وأما قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة وأربعة ، فهذا ما فيه مع أن أواخر