فخر الدين الرازي
327
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
شَيْءٍ * [ الزمر : 62 ] يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا : إن التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها : القدر التقدير ، قال اللَّه تعالى : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [ المرسلات : 23 ] وقال الشاعر : وقد قدر الرحمن ما هو قادر أي قدر ما هو مقدر ، وعلى هذا فالمعنى أن اللَّه تعالى لم يخلق شيئا من غير تقدير ، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق اللَّه كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل ، فالذي جاء قصيرا أو صغيرا فلاستعداد مادته ، والذي جاء طويلا أو كبيرا فلاستعداد آخر ، فقال تعالى : كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ منا فالصغير جاز أن يكون كبيرا ، والكبير جاز خلقه صغيرا ثالثها : بِقَدَرٍ هو ما يقال مع القضاء ، يقال بقضاء اللَّه وقدره ، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء : إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون : خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه ، فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله : كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي بقدره مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه موجب ردا على المشركين . / ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 50 ] وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) أي إلا كلمة واحدة ، وهو قوله له : ( كن ) هذا هو المشهور الظاهر ، وعلى هذا فاللَّه إذا أراد شيئا قال له : ( كن ) فهناك شيئان : الإرادة والقول ، فالإرادة قدر ، والقول قضاء ، وقوله : واحِدَةٌ يحتمل أمرين أحدهما : بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ثانيهما : بيان عدم اختلاف الحال ، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النمل الصغير ، فأمره عند الكل واحد وقوله : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ تشبيه الكون لا تشبيه الأمر ، فكأنه قال : أمرنا واحدة ، فإذن المأمور كائن كلمح بالبصر ، لأنه لو كان راجعا إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به ، فإن كلمة ( كن ) شيء أيضا يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور ، وفيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء ، وهي أن مقدورات اللَّه تعالى هي الممكنات يوجدها بقدرته ، وفي عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره ، ثم إن الممكنات التي يوجدها اللَّه تعالى قسمان أحدهما : أمور لها أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها ، كالإنسان والحيوان والأجسام النباتية والمعدنية وكذلك الأركان الأربعة ، والسماوات ، وسائر الأجسام وسائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض ، فهي كلها مقدرة له وحوادث ، فإن أجزاءها توجد أولا ، ثم يوجد فيها التركيب والالتئام بعينها ، ففيها تقديرات نظرا إلى الأجزاء والتركيب والأعراض وثانيهما : أمور ليس لها أجزاء ومفاصل ومقادير امتدادية ، وهي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام ، وقد أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلا منهم ، ووافقهم جمع من المتكلمين ، وقطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات وأرباب المجاهدات ، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولا أجزاء ، وثانيا تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام والأعراض القائمة بها ، إذا عرفت هذا قالوا : الأجسام خلقية قدرية ، والأرواح إبداعية أمرية ، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] فالخلق في الأجسام والأمر في الأرواح ثم قالوا : لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار فإنه صلى