فخر الدين الرازي

322

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واحد فإنهم كانوا يقولون : كل واحد منا يغلب محمدا صلى اللّه عليه وسلم كما قال أبي بن خلف الجمحي وهذا فيه معنى لطيف وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب ، واللَّه رد عليهم بأجمعهم بقوله : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 45 ] سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم واللَّه تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال : يُوَلُّونَ الدُّبُرَ ولم يقل : يولون الأدبار . وقال في موضع آخر : يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [ آل عمران : 111 ] وقال : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ [ الأحزاب : 15 ] وقال في موضع آخر : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [ الأنفال : 15 ] فكيف تصحيح الإفراد وما الفرق بين المواضع ؟ نقول : أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل : فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ذاك وفعل الآخر . قالوا : وفي الجمع تنوب مناب الواوات التي في العطف ، وقوله : يُوَلُّونَ بمثابة يول هذا / الدبر ، ويول ذاك ويول الآخر أي كل واحد يولي دبره ، وأما الفرق فنقول اقتضاء أواخر الآيات حسن الإفراد ، فقوله : يُوَلُّونَ الدُّبُرَ إفراده إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة ، فلا يتخلف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا في التولية كدبر واحد ، وأما في قوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي كل واحد يوجد به ينبغي أن يثبت ولا يولي دبره ، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره ، فكل أحد منهي عن تولية دبره ، فجعل كل واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله : فَلا تُوَلُّوهُمُ ولا يتم إلا بقوله : الْأَدْبارَ وكذلك في قوله : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ [ الأحزاب : 15 ] أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أولي دبري ، وأما في قوله : لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ [ الحشر : 12 ] فإن المراد المنافقون الذين وعدوا اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] ، وأما في هذا الموضع فهم كانوا يدا واحدة على من سواهم . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 46 ] بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم في الدنيا من الدبر ، ثم بين ما هو منه على طريقة الإصرار ، هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الإنذار بالساعة عام لكل من تقدم ، كأنه قال : أهلكنا الذين كفروا من قبلك وأصروا وقوم محمد عليه السلام ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام المجازاة بالأليم الدائم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل أحد ؟ نقول : الموعد الزمان الذي فيه الوعد والوعيد والمؤمن موعود بالخير ومأمور بالصبر فلا يقول هو : متى يكون ، بل يفوض الأمر إلى اللَّه ، وأما الكافر فغير مصدق فيقول : متى يكون العذاب ؟ فيقال له : اصبر فإنه آت يوم القيامة ، ولهذا كانوا يقولون : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ ص : 16 ] وقال : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ * [ الحج : 47 ] . المسألة الثانية : أدهى من أي شيء ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : ما مضى من أنواع عذاب الدنيا ثانيهما : أدهى الدواهي فلا داهية مثلها .