فخر الدين الرازي

297

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء ، ولو جرى جريا ضعيفا لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه ويتصل به ، ولعل المراد من قوله : وَفارَ التَّنُّورُ * [ هود : 40 ] مثل هذا . وقوله تعالى : عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ فيه وجوه الأول : على حال قد قدرها اللّه تعالى كما شاء الثاني : على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث : على سائر المقادير ، وذلك لأن الناس اختلفوا ، فمنهم من قال : ماء السماء كان أكثر ، ومنهم من قال : ماء الأرض ، ومنهم من قال : كانا متساويين ، فقال : على أي مقدار كان ، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان ، فإن تنكير الأمر يفيد ذلك ، يقول القائل : جرى على فلان شيء لا يمكن أن يقال إشارة إلى عظمته ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن يقال : التقى الماء ، أي اجتمع على أمر هلاكهم ، وهو كان مقدورا مقدرا ، وفيه رد على المنجمين الذين يقولون إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي ، والغرق لم يكن مقصودا بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه ، فقال : لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر ، ويدل عليه أن اللّه تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين وقوله تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 13 ] وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) أي سفينة ، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، إشارة إلى أنها كانت من ألواح مركبة موثقة بدثر ، وكان انفكاكها في غاية السهولة ، ولم يقع فهو بفضل اللّه ، والدسر المسامير . [ سورة القمر ( 54 ) : آية 14 ] تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وقوله تعالى : تَجْرِي أي سفينة ذات ألواح جارية ، وقوله تعالى : بِأَعْيُنِنا أي بمرأى منا أو بحفظنا ، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه . وقوله تعالى : جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ يحتمل وجوها أحدها : أن يكون نصبه بقوله : حَمَلْناهُ أي حملناه جزاء ، أي ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على كفرانهم وثانيها : أن يكون بقوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا لأن فيه معنى حفظنا ، أي ما تركناه عن أعيننا وعوننا جزاء له ثالثها : أن يكون بفعل حاصل من مجموع ما ذكره كأنه قال : فتحنا أبواب السماء وفجرنا الأرض عيونا وحملناه ، وكل ذلك فعلناه جزاء له ، وإنما ذكرنا هذا ، لأن الجزاء ما كان يحصل إلا بحفظه وإنجائه لهم ، فوجب أن يكون جزاء منصوبا بكونه مفعولا له بهذه الأفعال ، ولنذكر ما فيه من اللطائف في مسائل : المسألة الأولى : قال في السماء : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ [ القمر : 11 ] لأن السماء ذات الرجع وما لها فطور ، ولم يقل : وشققنا السماء ، وقال في الأرض : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ [ القمر : 12 ] لأنها ذات الصدع . الثانية : لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة ، ولم يقل في الأرض وأجرينا من الأرض بحارا وأنهارا ، بل قال : عُيُوناً والخارج من العين دون الخارج من الباب ذكر في الأرض أنه تعالى فجرها كلها ، فقال : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ لتقابل كثرة عيون الأرض سعة أبواب السماء فيحصل بالكثرة هاهنا ما حصل بالسعة هاهنا . الثالثة : ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وفجر الأرض بالعيون ، وأشار إلى