فخر الدين الرازي
265
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الجزء التاسع والعشرون [ تتمة سورة النجم ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النجم ( 53 ) : آية 30 ] ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ( 30 ) ثم قال تعالى : ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ذلِكَ في وجوه الأول : أظهرها أنه عائد إلى الظن ، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن وثانيها : إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم ، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى [ النجم : 29 ] وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم ، والعلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم ، وتكون الألف واللام للتعريف ، والعلم بالمعلوم هو ما في القرآن ، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول وانشرح صدره فبلغ الغاية القصوى ، وبعضهم قبله من حيث إنه معجزة ، واتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى ، وبعضهم توقف فيه كأبي طالب ، وذلك أدنى المراتب ، وبعضهم رده وعابه ، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم ، والآخرون وجب الإعراض عنهم ، وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه ، وعليه سؤال وهو : أن اللّه تعالى بين أن غايتهم ذلك : ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له ، والصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم اللّه ؟ . نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر اللّه ، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم ، وإنما قدر اللّه توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب ، قال الزمخشري : ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ كلام معترض بين كلامين ، والمتصل قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا . . . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [ النجم : 29 ، 30 ] وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به ، يكون كأنه تعالى قال : أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم ، ولا يوجد وراء ما ظهر منهم شيء ، وكأن قوله : عَنْ مَنْ تَوَلَّى إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل ، فإن الجهل كان بالتولي وإيثار العاجل . ثم ابتدأ وقال : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى وفي المناسبة وجوه الأول : أنه تعالى لما قال : للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أعرض وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره ، أن في الذكرى بعد منفعة ، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ علم أنه يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين ، وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال فأعرض عن الجدال وأقبل على / القتال ، وعلى هذا فقوله : بِمَنِ اهْتَدى أي علم في الأزل ، من ضل في تقديره ومن اهتدى ، فلا يشتبه عليه الأمران ، ولا يأس في الإعراض ويعد في العرف مصلحة ثانيها : هو على معنى قوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] وقوله تعالى : يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا