فخر الدين الرازي

291

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

في هذه السورة : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [ القمر : 52 ، 53 ] ، ثالثها : هو جواب قولهم : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 4 ] وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة ، و . أقام الدليل على صدقه ، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم ، وهذا هو الترتيب الحكمي ، ولهذا قال بعد الآيات : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [ القمر : 5 ] أي هذه حكمة بالغة ، والأنباء هي الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال : وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [ النمل : 22 ] لأنه كان خبرا عظيما وقال : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [ الحجرات : 6 ] أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية ، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ، وكذلك قال تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ * [ آل عمران : 44 ] فكذلك الأنباء هاهنا ، وقال تعالى عن موسى : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ [ القصص : 29 ] حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له : نبأ / ولم يقصده ، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم : المراد القرآن ، وتقديره جاء فيه الأنباء ، وقيل قوله : جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله : فِيهِ مُزْدَجَرٌ وفي : ما وجهان أحدهما : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما : موصوفة تقديره : جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر وهذا أظهر والمزدجر فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار ، كالمرتقى ، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي . [ سورة القمر ( 54 ) : آية 5 ] حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) ثم قال تعالى : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وفيه وجوه الأول : على قول من قال : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ المراد منه القرآن ، قال : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدل كأنه قال : ولقد جاءهم حكمة بالغة ثانيها : أن يكون بدلا عن ما في قوله : ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ الثاني : حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة والإشارة حينئذ تحتمل وجوها أحدها : هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة ثانيها : إنزال ما فيه الأنباء : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ثالثها : هذه الساعة المقتربة والآية الدالة عليها حكمة الثالث : قرئ بالنصب فيكون حالا وذو الحال ما في قوله : ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي جاءكم ذلك حكمة ، فإن قيل : إن كان ما موصولة تكون معرفة فيحسن كونه ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شيء فيه ازدجار يكون منكرا وتنكير ذي الحال قبيح نقول : كونه موصوفا يحسن ذلك . وقوله : فَما تُغْنِ النُّذُرُ فيه وجهان أحدهما : أن ما نافية ، ومعناه أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الحق ، وإنما أرسلوا مبلغين وهو كقوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [ الشورى : 48 ] ويؤيد هذا قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [ القمر : 6 ] أي ليس عليك ولا على الأنبياء الإغناء والإلجاء ، فإذا