فخر الدين الرازي

514

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وقوله : إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [ القصص : 19 ] . أما قوله : الْمُتَكَبِّرُ ففيه وجوه أحدها : قال ابن عباس : الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله وثانيها : قال قتادة : المتعظم عن كل سوء وثالثها : قال الزجاج : الذي تعظم عن ظلم العباد ورابعها : قال ابن الأنباري : المتكبرة ذو الكبرياء ، والكبرياء عند العرب : الملك ، ومنه قوله تعالى : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 78 ] ، واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم ، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر ، وذلك نقص في حق الخلق ، لأنه ليس له كبر ولا علو ، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة ، فإذا أظهر العلو كان كاذبا ، فكان ذلك مذموما في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء ، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه ، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم : قال : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ كأنه قيل : إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة اللَّه في هذا الوصف لكنه سبحانه منزله عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم ، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي ، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة ، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال ، فسبحان اللَّه عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 24 ] هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) ثم قال : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ والخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله على وجوه مخصوصة ، فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة . ثم قال : الْبارِئُ وهو بمنزلة قولنا : صانع وموجد إلا أنه يفيد اختراع الأجسام ، ولذلك يقال في الخلق : برية ولا يقال في الأعراض التي هي كاللون والطعم . وأما الْمُصَوِّرُ فمعناه أنه يخلق صور الخلق على ما يريد ، وقدم ذكر الخالق على البارئ ، / لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة وقدم البارئ على المصور ، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات . ثم قال تعالى : لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقد فسرناه في قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف : 180 ] . أما قوله : يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فقد مر تفسيره في أول سورة الحديد واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، والحمد للَّه رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلم تسليما كثيرا .