فخر الدين الرازي

511

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 16 ] كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ [ الشر : 11 ] ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ / ثم تبرأ منه في العاقبة ، والمراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر ، وإما إغواء الشيطان قريشا يوم بدر بقوله : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ إلى قوله إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [ الأنفال : 48 ] . ثم قال : [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 17 ] فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال مقاتل : فكان عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة الشيطان والإنسان حيث صارا إلى النار . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : قرأ ابن مسعود ( خالدان فيها ) ، على أنه خبران ، و فِي النَّارِ لغو ، وعلى القراءة المشهورة الخبر هو الظرف و خالِدَيْنِ فِيها حال ، وقرئ : عاقِبَتَهُما بالرفع ، ثم قال : وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أي المشركين ، لقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 18 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ . الغد : يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له ، ثم ذكر النفس والغد على سبيل التنكير . أما الفائدة في تنكير النفس فاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة كأنه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره كأنه قيل : الغد لا يعرف كنهه لعظمه . ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ كرر الأمر بالتقوى تأكيدا أو يحمل الأول : على أداء الواجبات والثاني : على ترك المعاصي . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 19 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) ثم قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ وفيه وجهان : الأول : قال المقاتلان : نسوا حق اللَّه فجعلهم ناسين حق أنفسهم حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده الثاني : فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم ، كقوله : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ [ إبراهيم : 43 ] وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] . ثم قال : أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ والمقصود منه الذم ، واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين إلى ما هو